ج / 4 ص -106- بِوُجُوبِ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ زَكَاةٍ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِلَا شَهَادَةٍ، وَضَابِطُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ كُلَّ مَا يَصِيرُ الْمُسْلِمُ كَافِرًا بِجَحْدِهِ يَصِيرُ الْكَافِرُ مُسْلِمًا بِإِقْرَارِهِ بِهِ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: لَا يَصِيرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صَلَاةِ الْكَافِرِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ الصَّلَاةِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ حَجَّ وَطَافَ، أَوْ تَجَرَّدَ لِلْإِحْرَامِ وَلَبَّى وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ صَارَ مُسْلِمًا. وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } (التوبة: من الآية18) وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ. وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ: أَنَّ مُجَرَّدَ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ عِمَارَةً،1 وَعَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ صَلَاتُنَا، وَعَنْ الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَهُ وَهُوَ مُجَرَّدُ اعْتِيَادِ الْمَسَاجِدِ غَيْرُ مُرَادٍ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إضْمَارٍ فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْكَافِرِ، وَعَنْ الثَّالِثِ: أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ مَنْ عَرَفَ بِالصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْفَاسِقِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَعَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ"وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما صَلَّى خَلْفَ الْحَجَّاجِ مَعَ فِسْقِهِ".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَثْبُتُ.
وَأَمَّا صَلَاةُ ابْنِ عُمَرَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ فَثَابِتَةٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرُهُ فِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَرَاءَ الْفُسَّاقِ وَالْأَئِمَّةِ الْجَائِرِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا: الصَّلَاةُ وَرَاءَ الْفَاسِقِ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً، لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَكَذَا تُكْرَهُ وَرَاءَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَا يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ، وَتَصِحُّ، فَإِنْ كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ، فَإِنْ فَعَلَهَا صَحَّتْ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَصِحُّ وَرَاءَ فَاسِقٍ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ كَشَارِبِ الْخَمْرِ وَالزَّانِي، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى صِحَّتِهَا.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ، وَمَنْ لَا يَكْفُرُ تَصِحُّ، فَمِمَّنْ يَكْفُرُ مَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 من العمر ليس حياة من عمره لها قدر معتبر (ط)