ج / 4 ص -103- الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ جَابِرٌ، ثُمَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ، وَعَمْرٌو هَذَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَأَبُو سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَسَلِمَةُ صَحَابِيٌّ وَأَمَّا عَمْرٌو فَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرُؤْيَتِهِ إيَّاهُ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَمْ يَرَهُ، لَكِنْ كَانَتْ الرُّكْبَانُ تَمُرُّ بِهِمْ فَيَحْفَظُ عَنْهُمْ مَا سَمِعُوهُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكَانَ أَحْفَظَ قَوْمِهِ لِذَلِكَ، فَقَدَّمُوهُ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو بُرَيْدٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِرَاءٍ، وَقِيلَ أَبُو يَزِيدَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَبِالزَّايِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي جَرَمٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إذَا بَلَغَ حَدًّا يَعْقِلُ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُمَيِّزًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ، وَالتَّمْيِيزُ يَخْتَلِفُ وَقْتُهُ بِاخْتِلَافِ الصِّبْيَانِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ قَبْلَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُمَيِّزُ، وَإِنْ بَلَغَ سَبْعًا وَعَشْرًا وَأَكْثَرَ.
وَأَمَّا ضَبْطُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ وَقْتَ صِحَّةِ سَمَاعِ الصَّبِيِّ وَتَمْيِيزِهِ بِخَمْسِ سِنِينَ فَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَقَالُوا: الصَّوَابُ يُعْتَبَرُ كُلُّ صَبِيٍّ بِنَفْسِهِ فَقَدْ يُمَيِّزُ لِدُونِ خَمْسٍ، وَقَدْ يَتَجَاوَزُ الْخَمْسَ وَلَا يُمَيِّزُ وَقَوْلُهُ"وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ"احْتِرَازٌ مِنْ الصَّبِيِّ الْكَافِرِ، وَاَلَّذِي لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَكُلُّ صَبِيٍّ صَحَّتْ صَلَاتُهُ صَحَّتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَفِي الْجُمُعَةِ قَوْلَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أصحهما الصِّحَّةُ، وَهَكَذَا صَحَّحَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَلَا يُغْتَرُّ بِتَصْحِيحِ ابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ خِلَافَهُ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتِمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي عَبْدٍ وَمُسَافِرٍ صَلَّيَا الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَّا فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُمَا الثَّانِيَةَ نَافِلَةٌ كَالصَّبِيِّ.
وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ فِيهِمَا، وَفِي الصَّبِيِّ: أَنَّ الْكَمَالَ مَشْرُوطٌ فِي الْمَأْمُومِينَ فِي الْجُمُعَةِ فَفِي الْإِمَامِ أَوْلَى، وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَمَذْهَبُنَا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَقَدْ ضَبَطَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ الْكَلَامَ فِي إمَامِ الْجُمُعَةِ ضَبْطًا حَسَنًا، وَلَخَّصَهُ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ: لِإِمَامِ الْجُمُعَةِ أَحْوَالٌ أحدها: أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ مُسَافِرًا، فَإِنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِهِ لَمْ تَصِحَّ، وَإِلَّا صَحَّتْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ فِي صِحَّتِهَا وَجْهَانِ: وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلَانِ أصحهما الصِّحَّةُ هَذَا إذَا صَلَّيَا الْجُمُعَةَ ابْتِدَاءً فَإِنْ كَانَا صَلَّيَا ظُهْرَ يَوْمِهِمَا ثُمَّ أَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَهُمَا مُتَنَفِّلَانِ بِهَا، فَفِي صِحَّتِهَا خَلْفَهُمَا مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى فِي الْمُتَنَفِّلِ.
الثاني: أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا أَوْ مُتَنَفِّلًا، فَإِنْ تَمَّ بِهِ الْعَدَدُ لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ تَمَّ دُونَهُ فَقَوْلَانِ: أصحهما عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الصِّحَّةُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ، وَنَصَّ في"الأم"عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجَوَازَ فِي الْمُتَنَفِّلِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ وَلَا نَقْصَ فِيهِ.
الثالث: أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي صُبْحًا أَوْ عَصْرًا فَكَالْمُتَنَفِّلِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي فَرْضًا، وَإِنْ صَلَّوْهَا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ تَامَّةً وَهِيَ فَرْضُهُ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ فِي تَرْكِهِ الْجُمُعَةَ عُذْرٌ فَهُوَ كَمُصَلِّي الْعَصْرِ، فَيَكُونُ فِي صِحَّتِهَا الطَّرِيقَانِ، الْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ بُعْدَ هَذَا الْبُطْلَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ صَلَّوْهَا خَلْفَ مُسَافِرٍ نَوَى الظُّهْرَ مَقْصُورَةً فَإِنْ قلنا: الْجُمُعَةُ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ صَحَّ قَطْعًا، وَإِنْ قُلْنَا: صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَكَمَنْ نَوَى الظُّهْرَ تَامَّةً فَتَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ.