فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 4102

ج / 1 ص -6- عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ، فَقَالَ: بسم الله الرحمن الرحيم، وَالتَّسْمِيَةُ مِنْ أَبْلَغِ الثَّنَاءِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ كَمَا نَقَلْنَاهُ، وَذَكَرُوا أَجْوِبَةً كَثِيرَةً غَيْرَ مُرْضِيَةٍ فَتَرَكْتُهَا، وَأَمَّا مَعْنَى"الْحَمْدُ"فَقَالَ الْعُلَمَاءُ: هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَحْمُودِ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَالشُّكْرُ: الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِأَنْعَامِهِ. فَكُلُّ شُكْرٍ حَمْدٌ وَلَيْسَ كُلُّ حَمْدٍ شُكْرًا، وَنَقِيضُ الْحَمْدِ الذَّمُّ، وَنَقِيضُ الشُّكْرِ الْكُفْرُ. وَقَوْلُهُ"الَّذِي وَفَّقَنَا"قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ: التَّوْفِيقُ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ، وَالْخُذْلَانُ خَلْقُ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْمُوَفَّقُ فِي شَيْءٍ لَا يَعْصِي فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالْعِصْمَةُ هِيَ التَّوْفِيقُ فَإِنْ عَمَّتْ كَانَتْ تَوْفِيقًا عَامًّا، وَإِنْ خَصَّتْ كَانَتْ تَوْفِيقًا خَاصًّا. قَالُوا: وَيَكُونُ الشُّكْرُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَيُقَالُ: شَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ، وَيُقَالُ فِي لُغَةٍ غَرِيبَةٍ: شَكَرْتُ بِهِ بِالْبَاءِ وَتَشَكَّرْتُ لَهُ كَشَكَرْتُهُ، وَالشُّكْرَانُ خِلَافُ الْكُفْرَانِ. وَقَوْلُهُ:"وَهَدَانَا لِذِكْرِهِ"الْمُرَادُ هُنَا بِالْهُدَى: خُلُقُ الْإِيمَانِ وَاللُّطْفِ، وَقَدْ يَكُونُ الْهُدَى بِمَعْنَى الْبَيَانِ، وَمِنْهُ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17] أَيْ بَيَّنَّا طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمِثْلُهُ {إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} [ الإنسان:3] {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [ البلد:10] أَيْ: بَيَّنَّا طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَأَمَّا الذِّكْرُ فَأَصْلُهُ: التَّنْبِيهُ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ الْأَدِيبُ الشَّافِعِيُّ: أَصْلُ الذِّكْرِ فِي اللُّغَةِ"التنبيه"عَلَى الشَّيْءِ، وَإِذَا ذَكَرْتَهُ فَقَدْ نَبَّهْتَ عَلَيْهِ، وَمَنْ ذَكَّرَكَ شَيْئًا فَقَدْ نَبَّهَكَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ لَازِمِهِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نِسْيَانٍ، قَالَ: وَمَعْنَى الذِّكْرِ حُضُورُ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ، وَيَكُونُ تَارَةً بِالْقَلْبِ، وَتَارَةً بِاللِّسَانِ، وَتَارَةً بِهِمَا، وَهُوَ أَفْضَلُ الذِّكْرِ، وَيَلِيهِ ذِكْرُ الْقَلْبِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ المصنف رحمه الله تعالى: وَصَلَوَاتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ .

الشرح: أَصْلُ الصَّلَاةِ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ، هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ أَصْلُهَا اللُّزُومُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ: الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الرَّحْمَةُ، وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنْ الْآدَمِيِّ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدًا فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ مُحَمَّدٌ وَمَحْمُودٌ إذَا كَثُرَتْ خِصَالُهُ الْمَحْمُودَةُ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ"الْمُجْمَلِ": وَبِذَلِكَ سُمِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدًا يَعْنِي أَلْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَهُ تَسْمِيَتَهُ بِهِ، لِمَا عَلِمَ مِنْ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ، وَأَنْشَدَ أَبُو نَصْرٍ إسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ وَغَيْرُهُ:

إلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ كِلَالُهَا إلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ

الْقَرْمُ بِفَتْحِ الْقَافِ: السَّيِّدُ وَقَوْلُهُ: خَيْرِ خَلْقِهِ كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَالْعُلَمَاءُ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم خَيْرُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْآدَمِيِّينَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قُلْتُمْ بِالتَّفْضِيلِ وَفِي"الصحيحين"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ: صلى الله عليه وسلم"لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ"وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ:"لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ"؟ فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ.

أحدها: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إلَى تَنْقِيصِ بَعْضِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ بِلَا خِلَافٍ

الثَّانِي: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم"نَهَى قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ خَيْرُ الْخَلْقِ فَلَمَّا عَلِمَ قَالَ:"أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت