ج / 4 ص -72- الثَّوْبَ، وَالرِّيحُ الْبَارِدَةُ عُذْرٌ فِي اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَقُولُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الرِّيحُ الْبَارِدَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ. قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ اشْتِرَاطِ الظُّلْمَةِ.
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَمِنْهَا: أَنْ يَحْضُرَ الطَّعَامُ وَنَفْسُهُ تَتُوقُهُ1 أَوْ يُدَافِعَ الْأَخْبَثَيْنِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ"."
الشرح: حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَالْأَخْبَثَانِ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَيُقَالُ حَضْرَةُ فُلَانٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ مَشْهُورَاتٍ، وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ عُذْرَانِ يُسْقِطُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْجَمَاعَةَ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي آخِرِ بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ مَبْسُوطَةً، وَحُضُورُ الشَّرَابِ الَّذِي يَتُوقُ إلَيْهِ مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِهِ كَحُضُورِ الطَّعَامِ، وَمُدَافَعَةُ الرِّيحِ كَمُدَافَعَةِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَمِنْهَا: أَنْ يَخَافَ ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ يَكُونَ بِهِ مَرَضٌ يَشُقُّ مَعَهُ الْقَصْدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ [عَنْ] ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ"وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَيِّمًا لِمَرِيضٍ يَخَافُ ضَيَاعَهُ، لِأَنَّ حِفْظَ الْآدَمِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حِفْظِ الْجَمَاعَةِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ قَرِيبٌ مَرِيضٌ يَخَافُ مَوْتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَلَّمُ بِذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَأَلَّمُ بِذَهَابِ الْمَالِ".
الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَفِي إسْنَادِهِ رَجُلٌ ضَعِيفٌ مُدَلِّسٌ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَمِنْ الْأَعْذَارِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَكُونَ بِهِ مَرَضٌ يَشُقُّ مَعَهُ الْقَصْدُ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي ذَلِكَ وَحَرَجًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تعالى:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"فَإِنْ كَانَ مَرَضٌ يَسِيرٌ لَا يَشُقُّ مَعَهُ الْقَصْدُ كَوَجَعِ ضِرْسٍ، وَصُدَاعٍ يَسِيرٍ، وَحُمَّى خَفِيفَةٍ، فَلَيْسَ بِعُذْرٍ وَضَبَطُوهُ: بِأَنْ تَلْحَقَهُ مَشَقَّةٌ كَمَشَقَّةِ الْمَشْيِ فِي الْمَطَرِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُمَرِّضًا لِمَرِيضٍ يَخَافُ ضَيَاعَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَيْرُهُ يَتَعَهَّدُهُ لَكِنَّهُ يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِهِ فَوَجْهَانِ، حَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْبَيَانِ أصحهما: أَنَّهُ عُذْرٌ؛ لِأَنَّ مَشَقَّةَ تَرْكِهِ أَعْظَمُ مِنْ مَشَقَّةِ الْمَطَرِ، وَلِأَنَّهُ يَذْهَبُ خُشُوعُهُ.
والثاني: لَيْسَ بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْمَرِيضُ قَرِيبًا أَوْ صِدِّيقًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ غَرِيبًا لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِهِ وَخَافَ ضَيَاعَهُ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ قَرِيبٌ أَوْ صَدِيقٌ يَخَافُ مَوْتَهُ، وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمِنْهَا: أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ الذَّبُّ عَنْهُ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَظْلِمُهُ أَوْ يَخَافُ مِنْ غَرِيمٍ لَهُ يَحْبِسُهُ أَوْ يُلَازِمُهُ، وَهُوَ مُعْسِرٌ. فَيُعْذَرُ بِذَلِكَ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْخَوْفِ مِمَّنْ يُطَالِبُهُ بِحَقٍّ هُوَ ظَالِمٌ فِي مَنْعِهِ، بَلْ عَلَيْهِ تَوْفِيَةُ الْحَقِّ وَالْحُضُورُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَدْخُلُ فِي الْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ مَا إذَا كَانَ خُبْزُهُ فِي التَّنُّورِ، وَقِدْرُهُ عَلَى النَّارِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَتَعَهَّدُهُمَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَأَبَقَ، أَوْ دَابَّةٌ فَشَرَدَتْ أَوْ زَوْجَةٌ نَشَزَتْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَيَرْجُو تَحْصِيلَهُ بِالتَّأَخُّرِ لَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في بعض النسخ (ونفسه توق إليه ) وهو الصواب للزوم مادة توق (ط)