ج / 4 ص -60- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُبَاحُ فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِمَكَّةَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إلَّا بِمَكَّةَ"وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ"وَلَا خِلَافَ أَنَّ الطَّوَافَ يَجُوزُ فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ".
الشرح: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ صَلَاةَ الطَّوَافِ خَاصَّةً، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِالْآثَارِ، وَيُحْتَمَلُ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد"لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ يُصَلِّي أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ"وَأَمَّا حَدِيثُ"الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ"فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ. كَذَا قَالَهُ الْحَافِظُ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمْ إلَّا بِخَيْرٍ"قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ وَغَيْرِهِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا قَالَ: وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِب، قُلْتُ: وَعَطَاءٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ صَلَاةُ الطَّوَافِ وَغَيْرُهَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ إنَّمَا تُبَاحُ صَلَاةُ الطَّوَافِ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا. وَالْمُرَادُ بِمَكَّةَ: الْبَلْدَةُ وَجَمِيعُ الْحَرَمِ الَّذِي حَوَالَيْهَا. وَفِي وَجْهٍ إنَّمَا تُبَاحُ فِي نَفْسِ الْبَلْدَةِ دُونَ بَاقِي الْحَرَمِ، وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ إنَّمَا تُبَاحُ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ الَّذِي حَوْلَ الْكَعْبَةِ، لَا فِيمَا سِوَاهُ مِنْ بُيُوتِ مَكَّةَ وَسَائِرِ الْحَرَمِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، صَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: لَا تُبَاحُ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، دَلِيلُنَا حَدِيثُ جُبَيْرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ
إحداها: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ النَّهْيَ حَيْثُ ثَبَتَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ هَلْ هُوَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ أَمْ تَحْرِيمٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أحدهما: كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ تَصْرِيحًا، مِنْهُمْ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي آخِرِ بَابِ