ج / 4 ص -43- فرع: قَدْ سَبَقَ أَنَّ فَوَاتَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَوْ جُلُوسِهِ يَقْتَضِي سُجُودَ السَّهْوِ، فَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ نَاسِيًا لِلتَّشَهُّدِ أَوْ جَلَسَ وَلَمْ يَقْرَأْ التَّشَهُّدَ ثُمَّ نَهَضَ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ فَلَهُ حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ الِانْتِصَابِ قَائِمًا فَيَحْرُمُ الْعَوْدُ إلَى الْقُعُودِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ السَّابِقُ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَوْدُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَعُودَ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَالصَّوَابُ تَحْرِيمُ الْعَوْدِ، فَإِنْ عَادَ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ عَادَ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُومَ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: وَيَكُونُ سُجُودُ السَّهْوِ هُنَا لِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ؛ لِأَنَّهُ زَادَ جُلُوسًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَتَرَكَ التَّشَهُّدَ وَالْجُلُوسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنْ عَادَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ. قَالُوا: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كَالنَّاسِي؛ لِأَنَّهُ يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ، وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ.
والثاني: أَنَّهُ كَالْعَامِدِ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ، هَذَا حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامُ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يَجُوزُ الْعَوْدُ بَعْدَ الِانْتِصَابِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ لِلتَّشَهُّدِ فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ لِيَتَشَهَّدَ جَازَ وَكَانَ مُفَارِقًا بِعُذْرٍ، وَلَوْ انْتَصَبَ مَعَ الْإِمَامِ فَعَادَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُومِ الْعَوْدُ، بَلْ يَنْوِي مُفَارَقَتَهُ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ قَائِمًا حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ عَادَ نَاسِيًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَ مِثْلُهُمَا فِي التَّنَحْنُحِ أَصَحُّهُمَا لَهُ ذَلِكَ. فَلَوْ عَادَ الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ عَادَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ، وَلَوْ قَعَدَ الْمَأْمُومُ فَانْتَصَبَ الْإِمَامُ ثُمَّ عَادَ لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْقِيَامُ؛ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ بِانْتِصَابِ الْإِمَامِ وَلَوْ قَعَدَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَقَامَ الْمَأْمُومُ نَاسِيًا أَوْ نَاهِضًا فَتَذَكَّرَ الْإِمَامُ فَعَادَ قَبْلَ الِانْتِصَابِ وَانْتَصَبَ الْمَأْمُومُ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أصحها: يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ الْعَوْدُ إلَى التَّشَهُّدِ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ، وَلِهَذَا سَقَطَ بِهَا الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ عَنْ الْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَمُتَابِعُوهُمَا والثاني: يَحْرُمُ الْعَوْدُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ والثالث: يَجُوزُ وَلَا يَجِبُ، وَادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَوْدُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى، بَلْ الْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ بِالْخِلَافِ فِي الْوُجُوبِ، صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمُتَابِعُوهُ، وَصَرَّحُوا بِتَصْحِيحِ وُجُوبِ الرُّجُوعِ، وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
وَلَوْ قَامَ الْمَأْمُومُ عَمْدًا فَقَدْ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِتَحْرِيمِ الْعَوْدِ، قَالَ: كَمَا لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ رَفَعَ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْعَوْدُ، فَإِنْ عَادَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ رُكْنًا عَمْدًا قَالَ فَلَوْ فَعَلَهُ سَهْوًا بِأَنْ سَمِعَ صَوْتًا فَظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ رَكَعَ فَرَكَعَ فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ فَفِي جَوَازِ الرُّجُوعِ وَجْهَانِ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ فِي وُجُوبِ الرُّجُوعِ وَجْهَانِ أحدهما: يَجِبُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وأصحهما: لَا يَجِبُ بَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِلنِّزَاعِ فِي صُورَةِ قَصْدِ الْقِيَامِ بِحَالٍ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ عَمْدًا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْقِيَامِ لِيَرْكَعَ مَعَ الْإِمَامِ فَجَعَلُوهُ مُسْتَحَبًّا.
قلت: هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ هُوَ كَذَلِكَ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِمْ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رضي الله