ج / 4 ص -42- الْجَهْرِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُ يُسْجَدُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: يُسْجَدُ لِتَرْكِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ. وَعَنْ الْحَكَمِ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ عَمْدًا فَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا: أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَسْجُدُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
فرع: مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُتَكَرِّرَةِ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ أَنَّا إذَا تَيَقَّنَّا وُجُودَ شَيْءٍ أَوْ عَدَمَهُ ثُمَّ شَكَكْنَا فِي تَغَيُّرِهِ وَزَوَالِهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ اسْتَصْحَبْنَا حُكْمَ الْيَقِينِ وَطَرَحْنَا حُكْمَ الشَّكِّ إلَّا فِي مَسَائِلَ قَلِيلَةٍ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي بَابِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَاسْتَوْعَبْنَاهَا هُنَاكَ وَذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهَا مُوَضَّحًا. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا شَكَّ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِالسُّجُودِ وَهُوَ الْأَبْعَاضُ فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ الْبَغَوِيّ: هَذَا إذَا كَانَ الشَّكُّ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ مُعَيَّنٍ، فَأَمَّا إذَا شَكَّ هَلْ تَرَكَ مَأْمُورًا بِهِ مُطْلَقًا أَمْ لَا؟ فَلَا يَسْجُدُ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ قَطْعًا، وَإِنْ شَكَّ هَلْ زَادَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَةً أَوْ سَجْدَةً أَوْ غَيْرَهُمَا أَمْ لَا؟ أَوْ هَلْ ارْتَكَبَ مَنْهِيًّا كَكَلَامٍ وَسَلَامٍ نَاسِيًا؟ لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَلَوْ تَيَقَّنَ السَّهْوَ وَشَكَّ هَلْ سَجَدَ لَهُ أَمْ لَا؟ فَلْيَسْجُدْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السُّجُودِ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ سَجْدَةً أَمْ سَجْدَتَيْنِ؟ سَجَدَ أُخْرَى وَلَوْ تَيَقَّنَ السَّهْوَ وَشَكَّ هَلْ هُوَ تَرَكَ مَأْمُورًا أَوْ ارْتَكَبَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، سَجَدَ لِتَحَقُّقِ سَبَبِ السُّجُودِ، وَلَا يَضُرُّ جَهْلُ عَيْنِهِ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ كَمَا سَبَقَ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ السُّجُودِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَطَائِفَةٌ: الْمُعْتَمَدُ فِيهِ الْحَدِيثُ وَلَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّ سَبَبَهُ التَّرَدُّدُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا هَلْ هِيَ رَابِعَةٌ أَمْ زَائِدَةٌ تَقْتَضِي السُّجُودَ؟ وَهَذَا التَّرَدُّدُ يَقْتَضِي السُّجُودَ، فَلَوْ زَالَ تَرَدُّدُهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَقَبْلَ السُّجُودِ وَعَرَفَ أَنَّ الَّتِي يَأْتِي بِهَا رَابِعَةٌ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيَسْجُدُ عَلَى الثَّانِي.
وَضَبَطَ أَصْحَابُ الْوَجْهِ الثَّانِي صُورَةَ الشَّكِّ وَزَوَالِهِ فَقَالُوا: إنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ مِنْ وَقْتِ عُرُوضِ الشَّكِّ إلَى زَوَالِهِ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى كُلِّ احْتِمَالٍ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ سَجَدَ
مِثَالُهُ: شَكَّ فِي قِيَامِهِ مِنْ الظُّهْرِ أَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ ثَالِثَةٌ أَمْ رَابِعَةٌ؟ فَرَكَعَ وَسَجَدَ عَلَى هَذَا الشَّكِّ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الْقِيَامِ إلَى رَكْعَةٍ أُخْرَى أَخْذًا بِالْيَقِينِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ قَبْلَ الْقِيَامِ إلَى الْأُخْرَى أَنَّهَا ثَالِثَةٌ أَوْ رَابِعَةٌ فَلَا يَسْجُدُ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ عَلَى الشَّكِّ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى قَامَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّ الَّتِي قَامَ إلَيْهَا رَابِعَةٌ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الزِّيَادَةِ وَكَوْنِهَا خَامِسَةً كَانَ مَوْجُودًا حِينَ قَامَ.
فرع: لَوْ أَدْرَكَ مَسْبُوقٌ الْإِمَامَ رَاكِعًا وَشَكَّ هَلْ أَدْرَكَ رُكُوعَهُ الْمُجْزِئَ فَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى أَنَّهُ لَا تُحْسَبُ لَهُ هَذِهِ الرَّكْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى: فَعَلَى هَذَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ ظَاهِرٌ، وَلَا يُقَالُ: يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ شَاكٌّ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.