فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 4102

ج / 1 ص -121- وَعُرِفَتْ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي اخْتِيَارِ مَذْهَبٍ يُقَلِّدُهُ عَلَى التَّعْيِينِ، وَنَحْنُ نُمَهِّدُ لَهُ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ فِي اجْتِهَادِهِ سَهْلًا، فَنَقُولُ: أَوَّلًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ فِي ذَلِكَ مُجَرَّدَ التَّشَهِّي، وَالْمَيْلَ إلَى مَا وَجَدَ عَلَيْهِ آبَاءَهُ، وَلَيْسَ لَهُ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَوَّلِينَ، وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ وَأَعْلَى دَرَجَةٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِتَدْوِينِ الْعِلْمِ وَضَبْطِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَذْهَبٌ مُهَذَّبٌ مُحَرَّرٌ مُقَرَّرٌ، وَإِنَّمَا قَامَ بِذَلِكَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ النَّاحِلِينَ لِمَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، الْقَائِمِينَ بِتَمْهِيدِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، النَّاهِضِينَ بِإِيضَاحِ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا. وَلَمَّا كَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ تَأَخَّرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي الْعَصْرِ. وَنَظَرَ فِي مَذَاهِبِهِمْ نَحْوَ نَظَرِهِمْ فِي مَذَاهِبِ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَسَبَرَهَا وَخَبَرَهَا وَانْتَقَدَهَا. وَاخْتَارَ أَرْجَحَهَا، وَوَجَدَ مَنْ قَبْلَهُ قَدْ كَفَاهُ مُؤْنَةُ التَّصْوِيرِ وَالتَّأْصِيلِ. فَتَفَرَّغَ لِلِاخْتِيَارِ وَالتَّرْجِيحِ، وَالتَّكْمِيلِ وَالتَّنْقِيحِ، مَعَ مَعْرِفَتِهِ، وَبَرَاعَتِهِ فِي الْعُلُومِ. وَتَرَجُّحِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ سَبَقَهُ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُ مَنْ بَلَغَ مَحِلَّهُ فِي ذَلِكَ. كَانَ مَذْهَبُهُ أَوْلَى الْمَذَاهِبِ بِالِاتِّبَاعِ وَالتَّقْلِيدِ، وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِنْصَافِ، وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْقَدْحِ فِي أَحَدِ الْأَئِمَّةِ جَلِيٌّ وَاضِحٌ، إذَا تَأَمَّلَهُ الْعَامِّيُّ قَادَهُ إلَى اخْتِيَارِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَالتَّمَذْهُبِ بِهِ .

الرابعة: إذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فَتْوَى مُفْتِيَيْنِ فَفِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ لِلْأَصْحَابِ. أَحَدُهَا: يَأْخُذُ بِأَغْلَظِهِمَا وَالثَّانِي: بِأَخَفِّهِمَا، وَالثَّالِثُ: يَجْتَهِدُ فِي الْأَوْلَى فَيَأْخُذُ بِفَتْوَى الْأَعْلَمِ الْأَوْرَعِ كَمَا سَبَقَ إيضَاحُهُ وَاخْتَارَهُ السَّمْعَانِيُّ الْكَبِيرُ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه عَلَى مِثْلِهِ فِي الْقِبْلَةِ، وَالرَّابِعُ: يَسْأَلُ مُفْتِيًا آخَرَ فَيَأْخُذُ بِفَتْوَى مَنْ وَافَقَهُ، وَالْخَامِسُ: يَتَخَيَّرُ فَيَأْخُذُ. بِقَوْلِ أَيُّهُمَا شَاءَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ الْمُصَنِّفِ، وَعِنْدَ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ، وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي أَوَّلِ"المجموع"عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِيمَا إذَا تَسَاوَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت