ج / 3 ص -133- الْقَائِمِ خَلْفَ الْمُضْطَجِعِ.
أَمَّا إذَا اجْتَمَعَ نِسَاءٌ عَارِيَّاتٌ فَالْجَمَاعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ لَهُنَّ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ إمَامَتَهُنَّ تَقِفُ وَسْطَهُنَّ فِي حَالِ اللُّبْسِ أَيْضًا, وَإِنْ اجْتَمَعَ نِسَاءٌ وَرِجَالٌ عُرَاةٌ لَمْ يُصَلُّوا جَمِيعًا لَا فِي صَفٍّ وَلَا فِي صَفَّيْنِ، بَلْ يُصَلِّي الرِّجَالُ، وَيَكُونُ النِّسَاءُ جَالِسَاتٍ خَلْفَهُمْ مُسْتَدْبِرَاتِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي النِّسَاءُ وَيَجْلِسُ الرِّجَالُ خَلْفَهُنَّ مُسْتَدْبِرِينَ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَتَوَارَى كُلُّ طَائِفَةٍ فِي مَكَان آخَرَ حَتَّى تُصَلِّيَ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَهُوَ أَفْضَلُ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لِأَنَّ فِي الْفُرَادَى إدْرَاكَ فَضِيلَةِ الْمَوْقِفِ. قَدْ يَسْتَشْكِلُ إذْ لَيْسَ لِلْمُنْفَرِدِ مَوْقِفَانِ يَقِفُ فِي أَفْضَلِهِمَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَأْتِي بِالْمَوْقِفِ الْمَشْرُوعِ لَهُ بِخِلَافِ إمَامِ الْعُرَاةِ. وَقَوْلُهُ: وَسْطَهُمْ هُوَ بِإِسْكَانِ السِّينِ. وَقَوْلُهُ: نِسْوَةٌ عُرَاةٌ لَحْنٌ وَصَوَابُهُ: عَارِيَّاتٌ، وَيُقَالُ: نِسْوَةٌ بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ عُرَاةٌ وَمَعَ إنْسَانٍ كِسْوَةٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُعِيرَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُغْصَبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَإِنْ أَعَارَ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَصَلَّى عُرْيَانًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السَّتْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ وَإِنْ وَهَبَهُ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ مِنَّةً [1وَفِي احْتِمَالِ الْمِنَّةِ مَشَقَّةٌ فَلَمْ يَلْزَمْ] وَإِنْ أَعَارَ جَمَاعَتَهُمْ صَلَّى فِيهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَإِنْ خَافُوا إنْ صَلَّى وَاحِدًا [بَعْدَ وَاحِدٍ] أَنْ يَفُوتَهُمْ الْوَقْتُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: يَنْتَظِرُونَ حَتَّى يُصَلُّوا فِي الثَّوْبِ. وَقَالَ فِي قَوْمٍ فِي سَفِينَةٍ، وَلَيْسَ فِيهَا مَوْضِعٌ يَقُومُ إلَّا وَاحِدٌ، أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ مِنْ قُعُودٍ وَلَا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ نَقَلَ الْجَوَابَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى وَقَالَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُمَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا فَقَالَ فِي السُّتْرَةِ يَنْتَظِرُونَ وَإِنْ خَافُوا الْفَوْتَ وَلَا يَنْتَظِرُونَ فِي الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي [حَالِ] النَّافِلَةِ، وَالسُّتْرَةُ لَا تَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ. وَلِأَنَّ الْقِيَامَ يَتْرُكُهُ إلَى بَدَلٍ وَهُوَ الْقُعُودُ وَالسَّتْرُ يَتْرُكُهُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ.
الشرح: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ أَنْ يُعِيرَهُ لِمُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ. وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَارَةُ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ بِخِلَافِ بَذْلِهِ لِلْعَطْشَانِ؛ إذْ لَا بَدَلَ لِلْعَطَشِ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ وَعَارِيًّا. وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ إعَارَتِهِ لَمْ يَجُزْ قَهْرُهُ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ أَعَارَ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنَّةً، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَإِنْ وَهَبَهُ لَهُ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا، الصَّحِيحُ: لَا يَجِبُ الْقَبُولُ لِلْمِنَّةِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: يَجِبُ الْقَبُولُ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْوَاهِبِ بَعْدَ قَبْضِهِ إلَّا بِرِضَى الْوَاهِبِ. وَالثَّالِثُ: يَجِبُ الْقَبُولُ وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى الْوَاهِبِ، وَيَلْزَمُ الْوَاهِبَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبُولُهُ، وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفين ساقط من ش و ق (ط) .