(وكونه مقدورًا لله) فهو كافر وإن لم ينكر إلا وقوعه فهو مذهب ضعيف. ثم قال (هذا الذي جاء الكتاب وسنة الهادي به، ما قال إن الله يعدم خلقه طرًا كقول الجاهل الحيران) أقول: قد قال تعالى {كما بدأنا أول خلق نعيده} (الآية: 104 من سورة الأنبياء.) ولو كانت الإعادة جمع الأجزاء بعد تفريقها أو الإتيان بغيرها لم تنطبق على الآية، فإن الآية تقتضي أن جميع ما بدأ به الخلق يعيده وإنما يكون كذلك إذا أعدمه ثم أعاده بعينه، والله قادر على ذلك وقال تعالى {وهو أهون عليه} (الآية: 27 من سورة الروم.) وإنما كان أهون بالنسبة إلى الشاهد لأن الإعادة في الشاهد فعل على مثال وهو أهون من الابتداء لأنه فعل على غير مثال مع اشتراكهما في الإخراج من العدم إلى الوجود.
وعند هذا المتخلف ما أخرج المعاد من العدم إلى الوجود بل من صفة إلى صفة يتعالى الله عن قوله، فهذا القول منه بما دل عليه من أن الإبراز من العدم إلى الوجود في الإعادة غير مقدور، كفر إلا إذا تأول على الوقوع مع الموافقة على الإمكان وليس ظاهر الكلام ففي قبول قوله إذا ادعاه نظر لأن هذا يتكرر وتكرير هذه الأمور يشبه الزندقة.
قال: (وقضى بأن الله ليس بفاعل فعلا يقوم(1) به بلا برهان مقصود الناظم أن
(1) قال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر البغدادي في كتاب (الأسماء والصفات) : إن الأشعري وأكثر المتكلمين قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفرًا أو أدت إلى كفر، كمن زعم أن لمعبوده صورة أو أن له حدًا ونهاية أو أنه يجوز عليه الحركة والسكون ... ولا إشكال لذي لب في تكفير الكرامية مجسمة خراسان في قولهم إنه تعالى جسم له حد ونهاية من تحته وأنه مماس لعرشه وأنه محل الحوادث وأنه يحدث فيه قوله وإرادته اهـ، (راجع الفتاوى الحلبيات في أجوبة المؤلف عن 64 مسألة سأله عنها الشهاب الأذرعي) .
وكثيرًا ما ترى الناظم يلهج بقيام الأفعال الحادثة بالله تعالى وينطق بلوازم الجسمية والتشبيه بكل صراحة, وفي مثله قال القائل:
كم تزرع التشبيه في ... سنخ القلوب فما انزرع
فاهجر دمشق وأهلها ... واسكن ببصرى أو زرع
فهناك يمكن أن يصـ ... ـدق ما تقول ويستمع
وحق أمصار المسلمين أن لا تروج فيها أمثال تلك الأباطيل، وإن ترج فإنما تروج في مثل بصرى بلد ابن زكنون أو زرع بلد الناظم أو تلك القفار التي لا يشع فيها نور غير نور الشمس.