أما جهم فمضى من سنين كثيرة ولا يعرف اليوم أحد على مذهبه فعلم أن مراد هذا الناظم بالجهمية الأشعرية من الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة, فليعلم اصطلاحه وكل ما ينسبه إلى الجهمية فمراده بها هؤلاء، والمعتزلة يشاركون الأشعرية في ذلك, لكن ما منهم أحد موجود في هذه البلاد وإن كان موجودًا فلا ظهور له، فكل ما قال هذا الناظم عن جهم في هذه القصيدة فمراده، الذي مذهبه مذهب الأشعري.
قال:
والعبد عندهم فليس بفاعل ... بل فعله كتحرك الرجفان
كذب هذا الجاهل في قوله: إن العبد عندهم ليس بفاعل. ولكن مراده بذلك قولهم: إنه لا يخلق فعله، وليس بخالق والله سبحانه هو خالق أفعال العباد. فاعتقد هذا الجاهل (1) بسبب ذلك أنهم يقولون إنه ليس بفاعل. وكون العبد ليس بخالق حق، وكونه ليس بفاعل باطل، والفاعل من قام به الفعل والفعل قائم بذات العبد، والخالق من أوجد الفعل ولا يوجده إلا الله. وقوله: كتحرك الرجفان جهل منه فإنه لم يفرق بين الجبر ومذهب الأشعري ثم قال:
والله يصليه على ... ما ليس من أفعاله حر الحميم الآن
= أن يكون له مكانٌ يحويه، فلا يقال: إن السماء ظرفٌ له ولا إن العرش مستقر ذاته، فأين في كتاب الله مثل ذلك أو تفسير الاستواء بالاستقرار؟! إنما هو قول مقاتل بن سليمان شيخ المجسمة وقول الكلبي الزائغ.
(1) أقل ما يقال في هذا الناظم أنه جاهل، فإذا طالعت ما ذكره في شفاء العليل عن كسب العبد تجده ينقل عن نظامية إمام الحرمين قوله في أفعال العباد فيسايره إلى أبعد حد، ثم يتراجع فيقع في أحط دركات الجبر، ثم يقع في المعتزلة وقيعة لا مزيد عليها ثم تجده يسبقهم في التجرؤ.
والحاصل أنه جمَّاع لآراء الناس من غير أن يعقلها على وجوهها، فيتخبط تخبط من به مس.
وهو يصور مناظرات خيالية بين سنى وجبري، وأخرى بين سنى وقدري في شفاء العليل يدس في خلالها أمورًا ينقض بعضها بعضًا، وذلك كله من سوء فهمه وضغطه لذهنه بشتى الأنظار التي هو غير مستأهل لتحقيقها وتمحيص الحق من بينها، فتتشوه الحقائق في ذهنه وتكتسي أسمج الصور، كما هو شأن ما ينعكس في المرايا المحدبة والمقعرة, وشأن من اختلت بصيرته، نسأل الله العافية.)