فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 150

والعلم، والعاطفة، وفي الأمر سعة، من شاء توسل. ومن شاء ترك بلا فتنة ولا تأثيم بعد كل هذا التحقيق الدقيق.

ثم أن توسل الصحابة بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفي أبدًا صحة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره، إذ لا تنافي بين الأمرين، بدليل أنه: بينما كانت طائفة تتوسل بالعباس لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم (ومعنى هذا أنهم يتوسلون بالنبي نفسه) كان بعضهم يتوسل إلى الله مستسقيًا بالرسول في قبره فقد أخرج ابن أبي شيبة عن (مالك الدار) بسند صحيح (كما في فتح الباري) وأخرجه البخاري في (التاريخ) وابن أبي خيثمة، والبيهقي في (الدلائل) : أن بلال بن الحارث المزني الصحابي، أتى إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الرمادة (القحط) في عهد عمر، وقال: (يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا) ... إلخ.

وهو نص من فعل الصحابة في صحة التوسل بالميت. وبما أنه لم ينكره عليه أحد، فقد أخذ بالتتالي قوة الإجماع.

وقد روى ابن عبد البر في (الاستيعاب) سبب توسل الصحابة بالعباس وهو لا يتنافى مع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره، بل هو هو. قلنا: لأن علة توسلهم به رضي الله عنه هي قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم فكأنهم توسلوا بالرسول وبعمه في وقت واحد، وإلا فلماذا اختاروا العباس بالذات مع وجود غيره؟

وكلام الحافظ في (الفتح) يؤيد هذا الجانب، شأن جمهور علماء المسلمين وهو معتضد بخبر فتح الكوي في سقف الحجرة المشرفة، بإذن عائشة توسلًا إلى الله في اللطف بالعباد، كما روى عن أبي الجوزاء، وأخرجه الدارمي في (سننه) وعلق عليه (القاري) في شرح (المشكاة) تأكيدًا. فالتوسل بالعباس بعد كل هذا فرع لا يتنافى مع الأصل - وهو التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم - لا عقلًا ولا نقلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت