[*] صفحة 086
الشمال وحال المدينة الموضوعة قبالة الجنوب حال واحدة بعينها ولا حال المدينة الموضوعة قبالة الشمس وقت غروبها حالة واحدة بعينها. وقال ايضا: ينظر في امر الأرض هل هي مكشوفة من الشجر عديمة المياه ام كثيرة الشجر كثيرة المياه وهل هي في موضع عميق نديّ (هذه) ام هي في موضع مشرف فهي باردة. وليس يخفى عمن أحسن التفقد لما قاله بقراط في هذين الفصلين انه قد بين فيهما اسباب تغاير البلدان وهي تأثير الشمس في تلك المدينة مقابلتها لشروقها عليها وغروبها والثاني هبوب الرياح عليها والاشبه ان يكون انما ذكر الرياح الشمالية والجنوبية لقوة تأثيرها في البلدان الموضوعة قبالتها واكثر من تأثيرها الشرقية والغربية في بلدان المقابلة لها اذ كان تأثير الشمس في هاتين الجهتين هي الأغلب والأظهر وطبيعة الريح الهابة من المشرق وهي مؤثرة ايضا في البلدان الشرقية من جنس ما تؤثره الشمس وكذلك طبيعة الريح الغربية ايضا فانما عدل بقراط الى السبب الأول في تغير امزجة البلدان الشرقية والغربية والى العلة الاقوى ثم انه لما كانت البلدان قد تعرض من انكشافها وقلة الأشجار فيها والسواتر لما يمرّ بها من الرياح وحرّ الشمس ما يوجب لها قبول التأثير اكثر مما تقبلها من ذلك اذا سترتها الاشجار، وجعل ذلك سببا ثالثا، وكذلك حال كثرة المياه وقلتها، وكذلك يعرض للبلدان من جهة ارتفاعها في العلو ووضعها على الجبال العالية، ومن جهة انخفاضها ووضعها في مواضع مستقلة عميقة ان يختلف كذلك قبولها لحرّ الشمس ويبسها ولتأثير الرياح بحسب امزجتها فيها ولذلك تختلف صور سكان المدن واخلاقهم وافعالهم واكثر حالاتهم كما بين ذلك بقراط فقال: وفي بلاد اوروقي أمم يخالف بعضها بعضا في مقادير الجثث وفي الصور وفي الشجاعة، والاشياء التي تغير هذه الأمور التي قلناها فيما تقدم.
قال وانا اشرح ذلك شرحا ابين من هذا فأقول: ان من كان مأواه في بلد جبلي مشرف كثير المياه وتغاير الاوقات تكون عندهم (مختلفة) اختلافا كثيرا فيجب ان تكون جثثهم جثث عظام، وتكون مستعدة للكدّ والشجاعة السبعية في أصحاب هذه الطبائع اكثر منها في غيرهم، واما الذين يسكنون في مواضع عميقة مرحبة و (هنة) وتهب عندهم من الأرياح الحارة اكثر مما يهب عندهم من الرياح الباردة، ويستعملون مياها حارة فان جثثهم لا تكون عظيمة ولا معتضدة ولكنها تكون أحد عرضا ويكون اللحم فيها كثير وتكون شعورهم سوداء ويكون ايضا الأغلب على الوانهم الأدمة اكثر من البياض ويكون غلبة