[*] صفحة 197
الحيل المقدم ذكرها في الباب الذي قبل هذا لينالوا من رتبهم واموالهم ما يحبونه، ولذلك نجد الكثير من الاطباء يداخلون المياسير، وكثير من السلاطين يلعب الشطرنج والنرد وقوم يداخلون قوّاد اعاجم بما يعرفونه من لغتهم لكي يأنسوا بهم، وقوما يساعدون المياسير والرؤساء بتبليغهم وايصالهم الى لذاتهم وشهواتهم في ضروب من الامور الضارة لهم في حال المرض فلذلك يكون هؤلاء مقدمين عندهم موثوق بآرائهم مسموعة اقاويلهم وبغير شك انه اذا مرض احد هؤلاء المياسير فانه لا بأس الا بمن قد الفه واعتاده من هؤلاء المحتالين. ولان ذلك الطبيب يجب ان يؤثر اثرا يصل اليه منه فائدة رابحة فهو يبادر الى فصد ذلك المريض والى سقيه دواء مسهلا بغير علم منه، وبما اتاه لانه لا يعلم ان للامراض اوقاتا اربعة فان الاستفراغ لا يصلح ان يكون في ايها اتفق، ولانه لا يعلم ايضا ان اخلاط الابدان لا يصلح استفراغها الا بعد نضجها وبعد اصلاح الطرق لنفوذها وبعد معرفة اشياء كثير قد تقدم القول فيها بما يغني عن اعادته، فلذلك يكون ما اقدم عليه ذلك الطبيب من الفصد او الاستفراغ بالدواء لمريضه وصاحبه سببا لزيادة مرضه ووقوعه في مكروه هو اعظم من المرض وربما كان سابقه بجهله وحيلته الى تلفه، ولأجل افراط أنس المريض بطبيبه ذلك لا يتهمه فيما دبره فيه ولو بان له الضرر وظهرت له الزيادة لكن تدبيره له يتابع يوم بعد يوم، والمريض في زيادة من سوء الحال الى ان يعظم جهد المريض فتكثر عليه الاقاويل ويشير عليه وعلى اهله وعوّاده واصدقائه باحضار طبيب موثوق به يعرف مرضه ويقوم بعلاجه. فبغير شك ان ذلك يدعوهم الى احضار طبيب آخر ولا يقنعهم ايضا ان يكون مرتهنا لكن افضل من في بلدهم، فعند حضور الطبيب ونظره الى المريض لتفقده لجميع ما امكنه من حالاته ومسائلته لمن يصلح عن جميع ما دبّر به وما جرى من أمره، ووجوده لجميع ذلك قد جرى على غير نظام ولا ترتيب، وقد وصل المريض من المرض وسوء الحال الى فساد يعسر عليه اصلاحه او لعله لا يمكنه ذلك، فحينئذ يفكر الطبيب فيما قد انساق اليه من وجوه المكروه، وذلك انه يصادف المريض لطول مرضه وكثرة ما قد سقاه طبيبه الأول من الادوية قد عظم ضجره وضجر من يخدمه من كثرة التعب (والمرؤد) التي قد كانوا التزموا لذلك الطبيب الاول ولادويته وتدابيره، ولعمري ان الفائدة من جميع ذلك لم تكن الا لذلك الطبيب. وايضا فأن جميع ما كان المريض واهله يتكفلونه من ذلك الطبيب الاول كانوا فيه بنشاط لان