وذلك لأن المجاهد يتعرض في حياته وجهاده لكثير من النوازل والمسائل والفروع الفقهية التي لا يتعرض لها القاعد، وبعضها يكون ذات تعقيد وتشابك والتباس لا يتعرض له القاعد أبدًا، فيتعلم المجاهد حكم الشرع في تلك المسائل ويتفقه فيها ..
كما أن المجاهد يرى الحياة بتعقيداتها، ويرى صورًا وجوانب منها لا يراها القاعد، ويواجه الأعداء بخبثهم ودهائهم ومكرهم ..
وكل ذلك مما يزيده بصيرة وتفقهًا في الدين، إن جد في طلب العلم أثناء جهاده، تمامًا كما كان الصحابة يتعلمون ما نزل من الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجهم معه للجهاد، فلم يكن الجهاد يمنعهم عن طلب العلم وتحصيله ..
وهو ما يجب أن يفعله المجاهد اليوم ليكون جهاده صحيحًا، ويكون متبعًا لسلف هذه الأمة، وحتى يكون جهاده سببًا للتفقه في الدين كما ذكرت الآية الكريمة ..
يقول الأستاذ / سيد قطب - رحمه الله: (ولقد وردت روايات متعددة في تفسير هذه الآية، وتحديد الفرقة التي تتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت إليهم .. والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية: أن المؤمنين لا ينفرون كافة. ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة - على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون - لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم، بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة ..
والوجه في هذا الذي ذهبنا إليه - وله أصل من تأويل ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ومن تفسير الحسن البصري، واختيار ابن جرير، وقول لابن كثير - أن هذا الدين منهج حركي، لا يفقهه إلا من يتحرك به فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه وبما يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به ..
أما الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا، لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا ولا فقهوا فقههم ولا وصلوا من أسرار هذا الدين إلى ما وصل إليه المتحركون وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والخروج بصفة عامة أدنى إلى الفهم والتفقه ..