{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .
قال ابن القيم: (فإن من كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق في رقابهم، فهذا من دين الله، ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشومة والكلمة) [أحكام أهل الذمة: 1/ 18] .
صحيح أن الإسلام لم يكره الناس على الدخول فيه بقوة السيف، قال تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] ، فلا إكراه لأي أحد على الدخول في الدين، لكنّ هذا لا يعني أن تقعد الجماعة المسلمة عن التحرك لإزالة سلطان أئمة الكفر الذين يسيطرون على واقع الناس ويحولون بينهم وبين حرية الاختيار، كما لا يعني القعود عن قتال هؤلاء الكفار ليكون الحكم للإسلام فيعلو دين الله ولا يُعلى عليه، قال تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .
إن الجهاد ليس هو السلوك المطلوب اتجاه أولياء الشيطان فحسب، وإنما هو الموقف الذي يعبر عن الشكل الأصلي الذي ينبغي أن تأخذه العلاقة بين الجماعة المسلمة وأولياء الشيطان، وأي موقف يدعو إلى خلافه لابد أن يكون حالة استثنائية تدعو إليها مصالح معتبرة شرعا وقدرا، ومعلوم أن الاستثناء ضيق لا توسع فيه، قال تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} [محمد: 35] .
قال ابن كثير: (أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعدتكم) [التفسير] .
نعم هناك أولويات في القتال، فبعض أولياء الشيطان أولى بالقتال من بعض، قال تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12] ، إما لأنهم تمادوا في الكفر بحيث صاروا أئمة فيه، فكانوا كما قال أبو السعود: (أحقاء بالقتل والقتال) [التفسير: 4/ 47] ، أو لأنهم يحتلون موقع الرئاسة في الكفار بحيث صاروا أئمة فيهم.
قال أبو السعود: (وتخصيصهم بالذكر إما لأهمية قتلهم، أو للمنع من مراقبتهم لكونهم مظنة لها، أو للدلالة على استئصالهم فإن قتلهم غالبا يكون بعد قتل من دونهم) [التفسير: 4/ 47] .