الصفحة 23 من 47

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا

مقالات؛ تحت ظلال السيوف

بقلم؛ سيف الدين الأنصاري

تكلمنا عن سنة التمييز، وقلنا إنها سنة تعمل في الصف الإسلامي لتحقيق التفريق بين المؤمنين والمنافقين في عملية تشبه الفرز الداخلي الذي يحول دون استمرار حالة الاختلاط التي تهدد الجبهة الداخلية للجماعة المسلمة، قال تعالى: {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب} [آل عمران: 179] ، لكن يظهر من خلال النظر إلى حقيقة المهمة المناطة بهذه الجماعة ومقتضيات الموقع الذي يُراد منها أن تصل إليه، أنها تحتاج إلى ما هو أكبر من التمييز، فمجرد الانتماء المبدئي إلى دائرة الإيمان لا يكفي لتجسيد حقيقة العبادة، ولا للنهوض بمتطلبات ذلك الموقع الذي أخرجت الأمة من أجله، ولذلك جرت سنة الله فيها بالتمحيص، قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 141] .

والتمحيص يعني في مدلوله العام التطهير من الأوشاب العالقة بالشخصية المؤمنة فيما يشبه عملية الصقل التي تستهدف الارتقاء بالبناء الفكري والنفسي للمؤمنين، ليصل إلى مستوى التناسب بين حقيقة الإيمان ومبدأ الانتماء إليه.

قال في"مختار الصحاح": (محّص الذهب بالنار أخلصه مما يشوبه) [ص: 291] .

فهي إذن عملية تخليص من الدخل تتم تحت حرارة الابتلاء تؤهّل المؤمنين للمواقع المتقدمة في إقامة الدين وتحقيق معنى التعبد، قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 141] .

قال النسفي: (التمحيص التطهير والتصفية) [التفسير: 1/ 181] .

لكن تجدر الإشارة إلى أن حرارة الابتلاء وحدها لا تكفي لحصول التمحيص، لأنها لا تمثل إلا الأجواء المناسبة، فمجرد الابتلاء قد يكون سببا للتراجع والتساقط كما يكون سببا للتقدم والثبات، ولذلك لابد لوقوع التمحيص من استصحاب مجاهدة النفس عند حصول الابتلاء، أو بعبارة أخرى إن تحقق التمحيص هو محصلة أمرين اثنين:

أولهما: وقوع الابتلاء.

وثانيهما: إلزام النفس بمواقف الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت