الصفحة 24 من 47

فالمؤمن الممحص هو المؤمن الذي خضع للامتحان ثم جاهد نفسه لينجح فيه، فيتحقق له من التمحيص على حسب شدة الابتلاء ومستوى المجاهدة.

إن العبادة ذات معنى كبير في دلالاتها، وذات مغزى عميق في أبعادها، وإعلان الانتماء المبدئي إلى الإيمان معناه التعاقد مع الله على تحقيق مفهوم التعبد، وهو أمر لا يتحقق على الوجه المطلوب إلا بخلوص العبد للرب، وذلك بأن يخرج المؤمن من الاستجابة لداعي الهوى إلى الاستجابة لداعي الشرع، في كل حركة الحياة ومجالاتها، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] ، وهذا ما يقتضي أن يسلّط الضوء على المؤمنين لتنكشف الأوشاب المتسترة في أعماق الخلفية الفكرية، والمختبئة في دروب النفس الملتوية، لتُصهر تحت ضغط الابتلاء الذي تولّده أجواء الحركة في خط العبادة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [لأنفال: 74] ، وهو ما يعني - حسب مفهوم المخالفة - أن الذين آمنوا ولكنهم ما هاجروا، ولا جاهدوا، ولا آووا، ولا نصروا، لا يمكن أن يكونوا من المؤمنين حقا!!

ثم إن المهمة المناطة بالجماعة المسلمة، والتي تتجسد في قيادة البشرية وفق خط القيم الإسلامية وباتجاه المبادئ الشرعية، مهمة تقتضي من وضوح التصور وصفائه ما يمكّن من التقييم الصحيح للأشياء والأحداث، وتتطلب من سلامة البنية النفسية وصلابتها ما يسامي طبيعة هذا الموقع المتقدم في إقامة الدين. وإذا كان مجرد القيادة ليس بالعمل الهيّن الذي يستحقه كل قوم من الناس، فما بالك بالقيادة من موقع الالتزام بالقيم الإسلامية والمبادئ الشرعية، ولذلك لم يكن بُدّ من تمحيص المؤمنين، لا لمجرد الاختبار الذي يكشف معدن العناصر ويساعد على تحديد مواقعها المناسبة فحسب، ولكن ليرتفع - كذلك - رصيد المؤمنين من المؤهلات الفكرية والنفسية التي تتطلبها خصوصيات الموقع. ولعل هذا ما يجعلنا نشير إلى أن عملية الصقل تطال جانبين أساسين من الشخصية المؤمنة.

1)الجانب الفكري:

فالأحداث التي تصاحب السير في خط العبادة - وخاصة عبادة الجهاد - تكشف للمؤمن عن جوانب غير قليلة في بنيته الفكرية تحتاج إلى"إصلاح"، والذي يكشف هذه الحاجة هو الجدلية التي تحكم علاقة الفكر بالحركة، بحيث أن كل حركة إرادية لابد أن تنشأ من خلال الفكرة، ثم تأتي الحركة لتولد بدورها فكرة جديدة تتبلور من خلال التفاعل الميداني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت