الصفحة 25 من 47

مع الأحداث التي أفرزتها الحركة ... وهكذا إلى أن تحصل عملية الصقل الجيد للجانب الفكري، على أنها لا تكون سائرة في الإتجاه الصحيح إلاّ إذا توفر فيها أمران اثنان؛

أولهما: أن تكون تلك الأحداث وليدة الحركة في خط العبادة.

وثانيهما: أن يكون الوحي حاضرًا - حضورًا كاملًا - عند عملية قراءة الحدث لاستخلاص الفكرة.

2)الجانب النفسي:

لأن الانتماء المبدئي إلى الإيمان لا يعني بالضرورة وجود كل الصفات النفسية التي تتناسب مع حقيقته، فقد يكون المرء مؤمنا وفيه - مثلا - نصيب من الخوف من الأعداء، وهي حالة - يظهر من خلال التأمل في دلالاتها - أنها لا تتناسب مع حقيقة الإيمان، قال تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 13] ، مما يقتضي ضرورة التخلص منها لنكون مؤمنين، بل ومن كل صفة غير متوافقة مع هذا المفهوم، لأنها تحول دون الارتقاء في مقاماته، بل قد يشكّل تراكمها تهديدًا حقيقيًا للاستمرار عليه [1] .

خذ غزوة الأحزاب - مثلا - وتأمل كيف شكلت أحداثها الظرف المناسب لتحقق التمحيص، قال تعالى - يصف الحالة التي أوجدتها أجواء المعركة: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر} [الأحزاب: 10] ، فهو الابتلاء بالشدة التي كأنها الزلزال الذي يهز العمق الداخلي للمؤمنين، قال تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 11] ، وإذا كان هذا الابتلاء قد كشف لنا العناصر المنافقة في الصف الإسلامي، فإنه قد محص لنا - كذلك - المؤمنين، محصهم لأنهم قابلوه بمجاهدة النفس على الرضى بالأمر القدري والالتزام بالأمر الشرعي، فصقل تصورهم وخلصه من الأفكار الخاطئة التي لا تتناسب مع حقيقة الإيمان، حتى لقد رأوا الحدث دليلا على اقتراب النصر، بل لقد سموه وعدا، في إشارة واضحة إلى صحة التصور وسلامة الرؤية، قال تعالى: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُه} [الأحزاب: 22] .

وكما صقلت"الأحزاب"التصور فإنها قد صقلت النفوس، فطهرته من الدغل، وخلصتها من الدخل، وأكسبتها من الصفات ما أوجد عندها حالة من الارتقاء الإيماني، قال تعالى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] .

(1) لاحظ أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت