وقس على"الأحزاب"القديمة"الأحزاب"الجديدة، فإنها قد ساعدت الفئةَ المؤمنة - التي تفاعلت مع الأحداث - على الإدارك الجيد لما هي عوامل النصر وما هي أسباب الهزيمة، ومن هم الأولياء ومن هم الأعداء، ومن هم العلماء ومن هم العملاء، بل لقد عمقت عندها الوعي بالفرق الكبير بين"علماء العمل"الذين ينصرون الحق ولا يخذولنه، و"علماء الكلام"الذين لا يجتهدون إلاّ في ممارسة سلطة الكهنوت على الناس باسم العلم وتحت شعار السلف.
باختصار؛ لقد أدركت الفئة المؤمنة التي تفاعلت مع أحداث الابتلاء في"تورا بورا"و"جرديز"الكثير من الحقائق ما كانت لتدركها وهي بعيدة عن هذا التفاعل المباشر والتجاوب الحي ... إنها النقلة البعيدة التي تصهر التصور ليزيد اقترابا من حقائق الإيمان.
كما أخرجت لنا"الاحزاب"الجديدة رجالا من الطراز الأول، أقل ما يقال فيهم أنهم يتمتعون ببنية نفسية عالية، تذكرك بعظماء التاريخ الإسلامي، وترجع بك إلى شخصيات الرعيل الأول!! قوم لا يخشون الأعداء بل يطلبونهم في حصونهم، ولا يهابون الموت بل يسيرون إليه، ولا يزيدهم اجتماع الأعداء على حربهم إلاّ ثباتا ... وهكذا هو شأن الابتلاء مع المؤمنين يصقلهم على حسب شدة الضغط ومستوى المجاهدة.
ولهذا نستطيع أن نقول إن التمحيص بما يعنيه من الصقل للبنية الفكرية والبناء النفسي، وما يحدثه من الإرتقاء للتصور والشعور، هو المضمون العام للعملية التربوية، لأن التربية تعني التعهد الذي يحرص على صلاح الفرد ويرمي إلى الإرتقاء به في مقامات الإيمان، والتمحيص هو الصورة المثالية لهذا التعهد، ولذلك يحقق للمؤمن - الذي ينجح في الامتحان - النقلات النوعية على مستوى الوعي والسلوك، ويقطع به المسافات البعيدة في مسار التعبد.
ولعل هذه اللفتة ترشدنا إلى المفردات الأساسية للمنهج التربوي الصحيح ... وأنه ذلك المنهج الذي يجمع بين العلم والعمل، المنهج الذي يعالج الحدث من خلال الوحي، أي أنه ينطلق من حالة"التفاعل"التي ينشؤها الحدث ليرسخ الحقائق التي يريد أن تستقر في التصور، ويعمق المعاني التي يهدف إلى غرسها في النفس، إنه يجعل من الحدث وسيلة لاستثارة المكنونات الفكرية والنفسية، ثم يسلط عليها بعد ذلك نور الوحي، لينظفها ويصقلها من خلال تفعييل دور المجاهدة، أما المنهج الذي يعتمد على عملية الشحن الثقافي والوعظ النظري التي تتم في الأجواء الخالية من التفاعل مع الأحداث فلا تنتج - في أحسن أحوالها - إلاّ حالة مؤقتة من التهذيب روحي، والتي رغم أهمتها في التربية لا تعبر بالضرورة عن حقيقة الإيمان، ولا تقدر على الوفاء بالمتطلبات العملية لحقيقة التعبد.