الصفحة 27 من 47

ولهذا لم يكن"التمحيص"أقل أهمية من"التمييز"، فالجماعة المسلمة محتاجة إليهما معًا، محتاجة إلى التمييز لتحصين بنائها الداخلي من العناصر المنافقة، كما أنها محتاجة إلى التمحيص لصقل العناصر المؤمنة كي ترتقي إلى مستوى المهمة المحددة والدور المطلوب، مما يجعلنا نستلهِم من هذه السنة الكثير من الأفكار التي يمكن أن تنفعنا في صياغة المنهج الحركي للجماعة المسلمة، نذكر منها ثلاثة على وجه الاختصار:

أولًا:

تفعيل دور الممارسة، من خلال الانشغال بالعمل المنسجم مع القناعات الفكرية، والخروج من حالة العيش في الأجواء النظرية بالتجاوب الإيجابي مع مهام المرحلة، بل والتفاعل الحي مع الأجواء التي يعيشها أصحاب المراحل المتقدمة، على أننا نسجل ضرورة التوافق التام بين مفردات العمل ومعطيات الظروف الذاتية والموضوعية، في محاولة إلى الاستغلال الكامل للمساحة التي تسمح بها خصوصيات الزمان والمكان. وإذا كانت بعض الأعمال سوف تجر على المؤمنين نوعا من المتاعب والآلام، فإنها في المقابل تمنحهم فرصة المعاناة التي تجلي الفكرة في عالم التصور وترسخ المعنى في أعماق النفس.

ثانيًا:

الحرص على الاستفادة من كل الأحداث التي تلاقي الجماعة أثناء مسيرتها الحركية، وأقصد الأحداث العرضية التي تتولد أثناء التفاعل مع حركة الحياة، مهما بدت"عادية"لأنه بإمكاننا أن نجعل منها وسيلة للصقل الفكري والنفسي إذا نظرنا إليها من خلال الوحي، وهو ما يستدعي استصحاب حالة من اليقظة الإيمانية لا تقدم على الحركة إلاّ بهدف التعبد، ولا تدع الأحداث تمر دون إعمال النظر في دلالاتها من منظور الإيمان.

ثالثًا:

التربية على مجاهدة الهوى، وتعويد المؤمنين على عدم الاستسلام لحالات الضعف، أو الإنهيار عند لحظات الشدة، ويجب أن لا ننسى ونحن ندعو إلى الجهاد، أن أكبر معاني الفكر الجهادي الثورةُ على الباطل، وهذا ما يقتضي أن نكون معه في حالة حرب حتى لو كان كامنا في الذات ... لأن هذه النفسية هي التي تمكننا من جعل الابتلاء فرصة إلى الإرتقاء ... وتلك هي سنة التمحيص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت