الصفحة 33 من 47

والمهم أن يكون هناك تصنيف للأعداء، فرغم أن الكفر ملة واحدة إلاّ أنه ليس مرتبة واحدة! وهذا بدوره يفرض على الجماعة المسلمة ترتيب أولويات المواجهة حسب ضوابط المصلحة والمفسدة شرعا وقدرا، كما يفرض التعامل مع كل صنف من هؤلاء الأعداء حسب قواعد وأحكام الفقه الإسلامي المعروفة عند الفقهاء.

طبعًا يبقى الجهاد بنوعيه - جهاد الدفع وجهاد الطلب- خاضعا عند التنزيل لمستوى المعطيات الذاتية، إذ لابد لكل عمل من إرادة عازمة وقدرة كافية، ولكن مادامت التربية الإسلامية الصحيحة كفيلة بامتلاك إرادة الجهاد والاستعلاء عن الوهن، فإن من شأن هذه الإرادة نفسها أن تحرك كل الإمكانيات المتاحة نحو تحقيق مقومات القدرة على الجهاد، قال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46] .

قال ابن تيمية: (كما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) [الفتاوى: 28/ 259] .

وباستحضار استمرارية الصراع العسكري كسنة قدرية قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 217] ، يسهل الاطمئنان إلى استمرارية الجهاد وبقائه إلى يوم القيامة، ليس باعتباره مطلبا شرعيا فحسب، ولكن كسنة قدرية تتوقف استمرارية الصراع على دوامها.

وهذه العقيدة حين تكون حية في قلوب المسلمين كفيلة بتحرير الإرادة من آثار الحرب النفسية التي تستهدف بثّ اليأس والقنوط من النصر القريب، فإن كل الجهود التي تحاول اقتلاع جذور الجهاد آيلة حتمًا إلى الفشل الذريع، قال تعالى: {فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36] .

إن هذه الأمة أمة مجاهدة، ومن شأن هذه الحقيقة أن تفرض الاستعلاء عن الاستجابة لنعيق المنهزمين الذين يحاولون أن يسوغوا ضعفهم بالترويج لثقافة السلام مع أولياء الشيطان، كما أن الاستحضار الجدي للشق التكليفي في هذه الحقيقة كفيل بتحريك الشوق إلى لذة العبادة، فيكون الثبات رغم صعوبة الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت