فإذا مات المدين، فالجمهور على حلول ديونه بموته، مهما كان أجلها متأخرًا عن الموت، لأن متعلق الديون في الذمة، وهي منتهية بالموت، كما أن الدين يعتمد على الوثوق الخاص بالمدين، وهو أمر شخصي لا علاقة له بالمال، فلا يورث.
وذهب الحنبلية إلى أن الآجال تورث، فإذا مات المدين، وعليه ديون مؤجلة، فإن ديونه تبقى إلى أجلها، ولا يطالَب الورثة المدينين بها إلا عند حلول الأجل، لأن حق الأجل حق ملحق بالمال، فأعطي حكمه، فكان من التركة.
وذهب المالكية في ذلك ( [5] ) مذهبًا وسطًا، فقالوا: الأصل في الآجال أن لا تورث، إلا في حالين، فإنها تورث فيهما، ويبقى الدين إلى أجله، وهما:
الأول )) أن ينص الدائن في دينه على عدم حلول الدين بموت المدين، فإن الدين لا يحل هنا للشرط.
الثاني )) أن تكون وفاة المدين بعدوان من الدائن، فإنه لا يحل الدين هنا، معاملة له بنقيض قصده، للقاعدة الفقهية: (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) ( [6] ) .
إذا مات الإنسان تعلق بتركته ـ بحسب التعريف السابق لها ـ حقوق متعددة متفاوتة في الدرجة، فإذا اتسعت التركة لكل تلك الحقوق أخرجت منها جميعًا، وإذا ضاقت عنها، كان لا بد من تقديم بعضها على بعض بحسب الأولوية، وقد اتفق الفقهاء على ترتيب هذه الحقوق، إلا جزئيات صغيرة اختلفوا فيها، وذلك حسب الترتيب الآتي:
إذا كان في التركة ديون متعلقة بأعيان التركة أو ببعض أعيانها، كما إذا كان بعض التركة مرهونًا، أو محتجزًا بثمنه، أو محتجزًا بأجرته لدى الأجير الذي لعمله أثر فيه ... فتستخرج هذه الحقوق من التركة ـ في حدود قيمة العين التي تعلق الحق بها ـ أولًا، ولم يقدم عليها شيء من الحقوق الأخرى، هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وذهب الحنبلية والحنفية في قول ضعيف عندهم، إلى أن سداد الديون مطلقًا، سواء كانت شخصية أو متعلقة بأعيان التركة، يكون بعد التجهيز والتكفين، لا قبله.
الأدلة:
استدل الجمهور لقولهم بأن الديون المتعلقة بأعيان التركة متعلقة بعينها قبل الوفاة، والتجهيز والتكفين يتعلق بالتركة بالوفاة، فكان تعلق التجهيز والتكفين بالتركة بعد تعلق الديون العينية بها، فكان بعدها في