ومعناه: ما أوصل إلى المطلوب بنفسه -أي ببداهة العقل- أَو بالنَّظر إلى مُقدِّمات ترجع إليه [1] .
ومما يحسن التذكير به: أن العقل-الذي يستند إليه الدليل هنا- مصدر من مصادر المعرفة في الإسلام، إلا أنه ليس مصدرًا مستقلًا، بل يحتاج إلى تنبيه الشرع، وإرشاده إلى الأدلة؛ لأن الاعتماد على محض العقل، سبيل للتفرق والتنازع، فالعقل لن يهتدي إلا بالوحي، والوحي لا يلغي العقل.
وقد جاء في الوحي المنزل الحث على التعقل، وأثنى على العقلاء، فقال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17 - 18] .
والنصوص الشرعية قد جاءت متضمنة الأدلة العقلية صافية من كل كدر، فما على العقل إلا فهمها وإدراكها، فمن ذلك:
قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] .
وقال سبحانه: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 53] .
وقال جل وعلا: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .
وخوض العقل في أمور الإلهيات باستقلال عن الوحي مظنة الهلاك وسبيل الضلال.
يقول ابن رشد الفيلسوف -وهو ممن خاض بالعقل في مسائل الاعتقاد وطالت تجربته-:"لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولًا يعتد به، وليس يعصم أحد من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، وهم الأنبياء" [2] .
وعلى هذا فميزان الصحة والفساد في أدلة العقول هو في مدى موافقتها للكتاب والسنة الصحيحة أو بعدها عنها.
يقول قوام السنة الأصبهاني رحمه الله:"وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة إمامهم، وطلبوا الدين من قِبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم، عرضوه على الكتاب والسنة, فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفًا لهم تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق، وقد يرى الباطل، وهذا معنى قول أبي سليمان الداراني- وهو واحد زمانه في المعرفة-: ما حدثتني نفسي بشيء إلا طلبت منها شاهدين من الكتاب والسنة، فإن أتت بهما، وإلا رددته في نحرها" [3] .
(1) انظر: الدليل العقلي عند السلف لعيسى النعمي: مجلة البيان: عدد (290) بتاريخ:22/ 8/2011 م
(2) تهافت التهافت لابن رشد: 2/ 547
(3) الحجة في بيان المحجة لقوام السنة الأصبهاني: 2/ 238