وأما شفاعة المؤمنين لإخوانهم:
أخبرنا أحمد بن محمد، الإسناد إلى الحارث بن قيس، عن أبي بردة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن من أمتي من يشفع لأكثر من ربيعة ومضر، وإن أمتي من لم تعظم النار حتى تكون #524# زاوية من زواياها ) ).
أخبرنا عثمان بن محمد، الإسناد إلى عطاء بن السائب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا، فالذي نفسي بيده ما أحدٌ بأشد مناشدةً في الحق يريد [مضيًا] له من المؤمنين في إخوانهم إذا رأوهم #525# قد خلصوا من النار، يقولون: أي ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويجاهدون معنا ويحجون معنا قد أخذتهم النار! يقول: اذهبوا فمن عرفتم صورته فأخرجوه، وتحرم صورهم على النار، فيجدون الرجل قد أخذته النار إلى قدميه، وإلى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط من خير فأخرجوه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون #526# فيتكلمون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه نصف قيراط فأخرجوه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون فلا يزال يقول لهم ذلك حتى يقول: اذهبوا فأخرجوا من وجدتم في قلبه ذرة من خير -فكان أبو سعيد إذا حدث بهذا الحديث يقول: إن لم تصدقوني فاقرؤوا: {إن الله لا يظلم مثقال ذرةٍ وإن تك حسنةً يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا} -فيقولون: ربنا لم ندع فيها خيرًا، فيقول: قد شفعت الملائكة، وشفع الأنبياء، وشفع المؤمنون، فما بقي إلا أرحم الراحمين ) ).
قال: (( فيأخذ قبضةً من النار فيخرج قومًا قد عادوا حممًا لم يعملوا له عمل خير قط، فيطرحون في نهر من أنهار الجنة يقال له: نهر الحياة، فينبتون فيه، والذي نفسي بيده كما تنبت الحبة في #527# حميل السيل، ألم تروها وما يليها من الظل أصيفر، وما يليها من الشمس أخيضر؟ ) ).
قلنا: يا رسول الله! كأنك كنت في الماشية. قال: (( فينبتون كذلك، فيخرجون مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخواتم، ثم يرسلون في الجنة، يقولون: هؤلاء الجهنميون، هؤلاء الذين أخرجهم الله عز وجل من النار بغير عمل عملوه ولا خير قدموه. يقول الله تعالى لهم: ادخلوا وخذوا فلكم ما أخذتم، فيأخذون حتى ينتهوا، ثم يقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول الله عز وجل: فإني قد أعطيتكم أفضل مما أخذتم. فيقولون: ربنا وما أفضل مما أخذتم؟ فيقول: رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا ) ). اتفقا عليه بطوله. والله أعلم.