وقد أوضح ابن قتيبة في موض رده على هذا الإدعاء: إن المراد بالرؤية في الحديث في الأخرة وأما الأية فالمراد فيها الرؤية في الدنيا، فعلى هذا ليس هناك أى تناقض بين النصين.
ثم إنه زكى هذا المعنى الذى هذه إليه بقوله: وقرأت في الإنجيل أن المسيح عليه السلام حين فتح فاه بالوحى قال: طوبى للذين يرحون، فعليهم تكون الرحمة، طوبى للمخلصة قلوبهم، فإنم الذين يرون الله تبارك وتعالى، والله تبارك وتعالى يقول: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة. [1] ويقول في قوم سخط عليهم"كلا أنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم صالوا الجحيم [2] "
أفما في هذا القول، دليل على أن الوجوه الناضرة، التى هى إلى ربها ناظرة هى التى لا تحجب إذا حجبت هذه الوجوه؟
فإن قالوا لنا: كيف ذلك النظر والمنظور إليه؟
قلنا: نحن لا نتهتى في صفاته - جل جلاله- إلا إلى حيث انتهى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ندفع ما صح عنه لأنه لا يقوم في أوهامنا، ولا يستقيم على نظرنا، بأن نؤمن بذلك من غير أن نقول فيه بكيفية أوحد، أو أن نقيس على ما جاء، مالم يأت وترجو أن يكون في ذلك من القول والعقل سبيل النجاة، والتخلص من الأهواء كلها غدا إن شاء الله تعالى [3] .
فهذه جملة من المواضع التى أستأمن فيها ابن قتيبة بنصوص التوراه والأنجيل لتعضيه ما ذهب إليه في معنى الحديث، والظاهرات تلك النصوص توافق في روحها وجوهرها ما جاءت به الايات والسنن والأثار فلا غضاضة إذن من اعتمادها في تأكد المعنى وتشبيه، ولا يعتبر ذلك بحال تحكيما للنص التوارنى أو الإنجيلى في النص الشرعى- ومن حسب الأمر كذلك فقد أخطأ الفهم وزاغ عن المراد.
إن أعتماد ابن قتيبة على نصوص من التواره والأنجيل لم يكن لغرض تأسيس معنى جديد وإنما كان لتقرير أمرا أو حكم بنية القرآن أو السنة فالأمر إذا لا يتجاوز حدود الاستئناس بالنص التوارى أو الأنجيلى وقد أطبق جمهور اهل الفقه والتفسير على جواز ذلك وقبوله.
(1) (2 سورة القيامة الآية 22.
(2) سورة المصففين الآية: 15.
(3) تأويل مختلف الحديث ص 195.