واستنكر قوم من المتكلمين قول النبي صلى الله عيه وسلم عن الله عز وجل: ان كلتا يديه يمين إذا قالوا: هذا سيتحيل إن كنتم أردتم باليدين العضوين، وكيف تعقل يدان كلتا هما يمين؟
وهذا لعمرى خطأ من القول، وضعف في الفهم وقصور في الادراك، اذا كيف يخفى من لوم مثل هذا الحديث الصحيح على من كان على علم يليبان العرب -وأحسب المتكلمين من المتمرسين في هذا الباب - فأن الناظر في كلام الوب وجدها تحب التيامن، وشكره الثياسر، لما في اليمين من التمام، ولما في اليسار من النقص ولذلك قالوا: اليمين شؤم. [1]
فاليمين من اليد: اليمين، والشئوم من اليد: الشؤمى، وهى اليد اليسرى، وهذا وجه بين.
ولهذا الحديث توجيه آخر أورده ابن قتيبة فقال: ويجوز أن يريد باليدين العطاء جميعا، لأن اليمنى هى المعطية. فإذا كانت اليدان يمينين، كان العطاء بهما.
وقد روى في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يمين الله سخاء لا يغيصها شئ الليل والنهار.
أى تصب العطاء ولا ينقصها ذلك، والى هذا ذهب المرار. حين قال:
وإن على الاوانة من عقيل ... فتى كلتا اليدين له يمين. [2]
وهذا الذى قاله ابن قتيبة في مقر الحديث، تفسير مقبول حسى وتوجيه مستحسن متقبل.
وادعى أناس من أهل الكلام أن حديث إعوار موسى لمك الموت. يكذبه النظر ويقبله العقل.
قال ابن قتيبة موضحا لهؤلاء القوم وجه الصواب في هذه المسألة: ونحن نقول: إن هذا الحديث حسن الطريق عند أصحاب الحديث، ... وله تأويل صحيح لايدفعه النظر.
ثم قال: والذى نذهب إليه فيه أن ملائكة الله تعالى رومانيون، والرومانى منسوب إلى الروح نسبة الخلقة، فكأنهم أرواح لا حبشت لهم، فتلحقها الأبصار، ولا عيون لها كعيونتنا، ولا أبشار كأبشارتنا. [3]
ولسنا نعلم كيف هيأهم الله تعالى. لأنا لا نعلم من الاشياء الا ما شاهدنا وألا ما رأينا له مثالا.
وكذلك الجن، والشياطين، والغيلان هى أرواح، ولا نعلم كيفيتها.
وكانت العرب تدعوا الملائكة جنا لأنهم اجسوا عن الأبصار، كما اجتنت الجن.
(1) تأويل مختلف الحديث: ص 196
(2) تأويل مختلف الحديث: ص 157
(3) تأويل مختلف الحديث: ص 256