ولقد حملهم هذا المنهج القائم على إخضاع النصوص الشرعية لأصول منهجهم، على التعسف في تفسير جملة من الآيات و إنكار جملة من الأحاديث الصحيحة باتفاق أهل العلم بالحديث.
و قد كان من البديهي أن ينبري ثلة من أهل العلم لبيان فساد مذهب هؤلاء، وهكذا قام ابن قتيبه بتأليف:"تأويل مختلف الحديث"متوخيا بذلك الكشف في تهافت أدلة هؤلاء والرد على مطاعنهم في الحديث و أهله.
و غرضي من هذا البحث:
إبراز منهج ابن قتيبه في رده على هؤلاء المتكلمين من خلال كتابه"تأويل مختلف الحديث"و لقد كان اختيار هذا البحث موضوعا للدراسة نابعا من جملة دوافع منها ما يلي:
-أن المتكلمين - وخاصة المعتزلة - كان لهم مذهب متميز في تفسير النصوص الشرعية، فأحييت الوقوف على طبيعة هذا المذهب و الكشف عن أهم سماته.
-لقد كان القرن الثالث الهجري، فترة صراع حاد بين أهل الكلام و أهل السنة، وقد تجسد ذلك بوضوح كبير في كتاب"تأويل مختلف الحديث".
-يعكس كتاب"تأويل مختلف الحديث"المنهج الذي يقوم عليه مذهب أهل السنة في قضايا العقيدة. لذلك فإن ابن قتيبه في معرض رده على مزاعم المتكلمين يصدر جوابه بقوله:
"و نحن نقول "و المراد: أهل السنة.
-يوضح كتاب"تأويل مختلف الحديث"موقف ابن قتيبه الحقيقي من قضية التنبيه و التجسيم، يقول ابن قتيبه:"فنحن نؤمن بالنفع و بالروح و لا نقول كيف ذلك لأن الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله إلى حيث انتهى في صفته أو حيث انتهى رسوله صلي الله عليه و سلم و نزيل اللفظ عما تعرفه العرب و تضعه عليه و تمسك عما سوى ذلك ..."
من هنا يتضح أن الرجل سني، بل قال ابن تيمية عنه:"هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة فإنه خطيب السنة كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة" [1]
(1) مقدمة ابن قتيبه ص 9 - 10