(10) وروى الدارمي في مسنده عن عبد خير قال: رأيت عليًا توضأ ومسح على نعلين فوسع، ثم قال: لو لا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما [1] .
(11) وروى ابن خزيمة من طريق عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه دعا بكوز ماء ثم توضأ وضوءًا خفيفًا ومسح على نعليه [2] ثم قال: هكذا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم للطاهر ما لم يحدث [3] . وتبعه ابن حبات على ذلك وقال في حديث أوس المتقدم: هذا كان في النفل [4] .
فهذه الآثار كلها تدل على أن المسح على النعلين إنما كان عليهما دون شيء آخر معهما كجورب.
وجميعها يفسر حديث المغيرة بما ذكرناه قبل، ولهذا اتفقوا على عدم اشتراط النعل في الجوربين، وجوزوا كونهما ثخينين وإن لم يكونا منعلين كما سيأتي، فسقط ما قاله النيسابوري وكذا غيره.
الشبهة الخامسة:
ما ورد على حديث أبي موسى الأشعري، فقد قال أبو داود في سننه: روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الجوربين، وليس بالمتصل ولا بالقوي. قال السندي في حواشيه على أبي داود: قوله: (وليس بالمتصل) أي لأنه من رواية الضحاك ابن عبد الرحمن عن أبي موسى ولم يثبت سماعه منه. وقوله (ولا بالقوي)
(1) 1 قلت: في إسناده عند الدارمي (1/ 181) أبو إسحاق السبيعي وهو ليس مع اختلاطه، وقد رواه عبد خير معنعنًا! وخالفه خالد بن علقمة الهمداني - وهو ثقة - فرواه عن عبد خير بلفظ غسل رجله اليمنى ثلاثًا ورجله الشمال ثلاثًا. أخرجه أبو داود وغيره. إسناده صحيح، وصححه ابن حبان _رقم 150 - موارد)، وقد خرجته في (صحيح أبي داود) .
(2) 2 الأصل: (رجليه) والتصحيح من (صحيح ابن خزيمة) .
(3) 3 قلت: في إسناده عند ابن خزيمة (200) متروك، ولكنه قد توبع كما بينته في التعليق عليه، وقد أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) (202) وكذا النسائي وابن حبانمن طريق أخرى عن علي لكنه قال: (رجليه) مكان (نعليه) وقد عرفت بأوله (152) وإسناده صحيح على شرط البخاري وقد أخرجه في (صحيحه) - الأتربة - لكنه لم يصرح بالمسح.
(4) 4 قلت: يعني أن هذا الوضوء كان نفلًا غير واجب لأنه لم يكن من حدث يدل عليه ما ترجم به ابن خزيمة للحديث فقال: (باب ذكرالدليل على أنه مسح النبي صلى الله عليه وسلم على النعلين كان في وضوء متطوع به، لا في وضوء واجب عليه من حدث يوجب الوضوء) . قلت: ما ترجم به للحديث واجب لا غبار عليه، ولكنه قد صح عن علي رضي الله عنه أنه مسح على نعليه في الوضوء الواجب بعد الحدث كما يأتي، فيجب حينئذٍ فهم هذا الحديث أنه للطاهر لا لأنه مسح على النعلين، وإنما لأنه توضأ وضوءًا خفيفًا، ويؤيده أن في الطريق الأخرى (أنه مسح وجهه وذراعه) فهذا المسح لا يجوز في الفرض قطعًا، فهو الذي عناه بقوله: هكذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم للطاهر ... وكيف يجوز حمله على المسح على النعلين، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه عديدة دون تفريق بين النفل والفريضة. بل ثبت ذلك عن راوي الحديث نفسه في الفرض نصًا، وهو ما أخرجه الطحاوي في (شرح معاني الآثار) (1/ 97) بسند صحيح عن أبي ظبيان أنه رأى عليًا رضي الله عنه بال قائمًا ن ثم دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه ثم دخل المسجد فخلع نعليه ثم صلى. وأخرجه عبد الرزاق في (المصنف) (783 - 784) وابن أبي شيبة أيضًا (1/ 190) والبيهقي (1/ 288) منطرق عن أبي ظبيان وهو الجنبي كما في رواية لعبد الرزاق، واسمه حصين بن جندب الكوفي وهو ثقة من رجال الشيخين، وقد تابعه غير واحد عن علي مختصرًا في (المصنفين) .