الصفحة 17 من 51

وكذا قال العلامة ملاَّ على القاري في شرح المشكاة: قيل المعروف من رواية المغيرة المسح على الخفين، وأجيب بأنه لا مانع من أن يروي المغيرة اللفظين، وقد عضده فعل الصحابة. أ هـ. وسيأتي تسميتهم وبلوغ عدتهم ستة عشر صحابيًا.

و (الثالث) وهو جوابنا عن دعوى شذوذه علمًا، أنَّ الشذوذ مختلف في معناه، وأنه ليس بعلة على الإطلاق ولا بمتفق عليها. توضيحه أن السيوطي قال في التدريب [1] في شرح قول النووي في حدِّ الصحيح: (وهو ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علَّة) ما مثاله: قيل لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال: (أحدها) مخالفة الثقة لأرجح منه، و (الثاني) تفرد الثقة مطلقًا، و (الثالث) تفرد الراوي مطلقًا. قال: ورد الأخيران فالظاهر أنه أراد هنا الأول، قال شيخ الإسلام: وهو مشكل، لأن الإسناد إذا كان متصلًا ورواته كلهم عدولًا ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة، ثم إذا انتفى كونه معلولًا فما المانع من الحكم بصحته؟ فبمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه، أو أكثر عددًا، لا يستلزم الضعف، بل يكون من باب صحيح وأصح. قال: ولم أرَ مع ذلك من أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبَّر عنه بالمخالفة، وإنما الموجود من تصرُّفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة.

وقال الإمام النووي في بحث الشاذ: (فإن لم يخالف الراوي بتفرده غيره وإنما روى أمرًا لم يروه غيره فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بضبطه كان تفرده صحيحًا، وإن لم يوثق بحفظه ولم يبعد عن درجة الضابط كان ما انفرد به حسنًا، وإن بعُد كان شاذًّا منكرًا مردودًا) أهـ. وبه يعلم أنَّ الشذوذ ليس علة قادحة في صحة المروي مطلقًا بل هي على هذا التفصيل، وإن من كان عدلًا حافظًا موثوقًا بضبطه كان تفرده صحيحًا.

وممن اعترض جعل الشذوذ قادحًا في صحة الحديث الإمام ابن دقيق العيد فقد قال العراقي: وأما السلامة من الشذوذ والعلَّة فقال ابن دقيق العيد في (الاقتراح) : (إن أصحاب الحديث زادوا ذلك في حدِّ الصحيح - قال - وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرًا من العلل التي يعلِّل بها المحدِّثون لا تجري على أصول الفقهاء) [2] .

(1) 1 صفحة 14 - 15 من (تدريب الراوي) .

(2) 2 قلت: أهل مكة أدرى بشعابها، فالاعتماد إنما هو على المحدثين لأنه علمهم الذي اختصوا به، فهم أعرف به من غيرهم، وكل علم يرجع فيه إلى ذوي الاختصاص والإتقان فيه، والمحدِّثون اتفقوا على اشتراط السلامة من الشذوذ في الحديث الصحيح، كما هو معروف من كتبهم، والمتتبع الطرق في دوواين السنة يجد غير قليل من الأحاديث اختلف الرواة الثقات في ضبط متونها اختلافًا لا سبيل للأخذ بجميع وجوه الاختلاف فيها، بل لا بد من ترجيح بعضها على بعض، فالراجح هو المحفوظ، والمرجوح هو الشاذ، وهو من أنواع الحديث الضعيف، وحديث المسح على الجوربين صحيح سالم من الشذوذ كما تقدَّم بيانه، لذلك فلا مجال للأخذ بتشكيك من وهم، ورمي الحديث بالشذوذ، فهو حديث صحيح محفوظ اتفق المحدثون على سلامته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت