و (الجواب) أن هذا إنما يأتي على مذهب من يشترط في الاتصال ثبوت السماع. وقد أنكر الإمام مسلم ذلك في مقدمة صحيحه إنكارًا شديدًا ورأى أنه قول مخترع، وأن المتفق عليه أن يكفي للاتصال إمكان اللقاء والسماع [1] ، وعليه فالانقطاع في الحديث غير مقطوع به، ويرجع الأمر إلى رجال سنده، فإذا كان رجاله ثقات كان صحيحًا أو حسنًا جيدًا صالحًا للاحتجاج به، ولذا أخرجه الإمام أحمد في (مسنده) معوِّلًا على الاحتجاج به وتبليغه سنة يعمل بها.
وخرَّجه أيضًا أبو داود وسكت عليه، وما سكت عليه فهو صالح للاستدلال به، إذ لا جرح في رواته ولا علة ظاهرة فيه فاستوفى شروط الحُسْن. والحَسَن كالصحيح في الاحتجاج به والعمل بما فيه. وبالجملة فقصارى أمر هذا الحديث أن يكون حسنًا وصالحًا ويكفي ذلك.
على أن مجرد الانقطاع ليس قادحًا، فقد وقع في مسلم بضعة عشر حديثًا منقطعة وإن تبين وصلها من وجه آخر، لأن المقطوع الثقة ليس كغيره، ولذلك قبل من المراسيل مراسيل الثقات كما تقرر في موضعه. [2]
وتسميتنا لذلك بالحسن جريًا على قول بعضهم - كما في التدريب - أن الحسن هو الذي فيه ضعف قريب محتمل. وعلى قول البغوي: أن ما في السنن من الحِسان، فإن هذين القولين متجهان فيما نراه وإن اشتهر تفسير الحسن بغيرهما.
قال الإمام النووي في (التقريب) : وقد جاء عن أبي داود أنه يذكر في (سننه) الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بيَّنه، وما لم يُذكر فيه شيء فهو صالح. (قال النووي) : فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقًا ولم يصححه غيره ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود، لأن الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما، بل قال ابن رشيد: إن ما سكت عليه (أبو داود) قد يكون عنده صحيحًا وإن لم يكن كذلك عند غيره [3] انظر التدريب.
(1) 1 قلت: وهذا الإمكان متحقق فقد ذكر البخاري أن راشد بن سعد شهد صفين مع معاوية ومن المعلوم أن وقعة صفين كانت سنة (36) . ووفاة ثوبان سنة (54) . فقد عاصره (18) سنة. وإذا تذكرنا أن العلماء وثقوه - دون خلاف يذكر، وأنه لم يرم بالتدليس، ينتج من ذلك أن الإسناد متصل وأن إعلاله بالانقطاع مردود لأنه قائم على مذهب من يشترط في الاتصال ثبوت السماع. وهو مرجوح كما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى. ومما يقوي ما ذكرنا أن البخاري أثبتَ سماع راشد من ثوبان كما تقدم في كلام أحمد شاكر رحمه الله تعالى، وذلك دليل قاطع على لقيه إياه، لأن البخاري رحمه الله تعالى من القائلين باشتراط ثبوت السماع في الاتصال وأنه لا يكفي فيه المعاصرة فتأمل.
(2) 2 قلت: بعد أن عرفتَ صحة إسناد الحديث واتصاله، فلا أرى من المفيد التوسع في تطريق الاحتمالات البعيدة في سبيل الدفاع عنه فإن المتقرر في علم المصطلح هو أن الحديث المنقطع من أنواع الحديث الضعيف، لجهالة الراوي الساقط ولا أعلم أحدًا من المصنفين في المصطلح صرَّح بقبول مراسيل الثقات هكذا مطلقًا بل فيه خلاف مشهور مذكور في محله وما ذكره من الأحاديث المنقطعة في (مسلم) لا ينفي القدح المذكور ما دام أنه تبين وصلها من وجه آخر، وإلا فلولا ذلك لثبت القدح فتأمل.
(3) 1 قلت: لا شك عند العارفين بهذا العلم الشريف أن في (أبي داود) ما إسناده صحيح، وإنما ينبغي النظر فيما اشتهر عند المتأخرين أن ما سكت عنه أبو داود فهو صالح للاستدلال به كما تقدم عند المؤلف، فاعلم أن قول أبي داود: ( ... فهو صالح) كما نقله (التدريب) يحتمل أنه صالح للاحتجاج به. وعليه جرى النووي. ويحتمل أنه يعني: أنه صالح للاستشهاد به لأنه ليس شديد الضعف، وهو الذي اختاره أمير المؤمنين في الحديث الحافظ العسقلاني، وهو الصواب الذي أراه لأمور كثيرة لا مجال لذكرها الآن، ولكن من لفت النظر إلى قول أبي داود: (وما كان فيه وهن شديد بيَّنته) . فإن مفهومه أن ما كان فيه وهن غير شديد لا يبينه، أي يسكت عنه، فينتج من ذلك أن هذا هو المراد بقوله بعد: (وما لم يذكر فيه شيء فهو صالح) . فتأمل وتحرَّ الصواب، ولا تغتر بما اشتهر بين الناس.