بَعْضٍ [1] جاءت في مقابل {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ ... } [2] ثم تمضي خاتمة سورة آل عمران بالحديث عن مصير القوم الكافرين: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ... الآية} [3] إلى أن تختم بأهم وصايا رجاء النصر ودفع الباطل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [4] ،"فالدعاء في الأولى - أي البقرة - يناسب بدء الدين لأن معظمه فيما يتعلّق بالتكليف وطلب النصر على جاحدي الدعوة ومحاربي أهلها، وفي الثانية - أي آل عمران - يناسب ما بعد ذلك لأنه يتضمن الكلام في قبول الدعوة وطلب الجزاء عليه في الآخرة" [5] .
وهذا المقصود لسورة البقرة - أعني المدافعة - هو قريب من المعنى الذي أشار إليه سيد قطب بقوله:"هذه السورة تضم عدة موضوعات، ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج، يترابط الخطان الرئيسان فيه ترابطًا شديدًا؛ فهي من ناحة تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الاسلامية في المدينة، واستقبالهم لها ومواجهتهم لرسولها وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها، وسائر ما يتعلّق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة، وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى."
وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة الإسلامية في أول نشأتها، وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض، بعد أن تعلق السورة نكول بني إسرائيل عن حملها، ونقضهم لعهد الله بخصوصها، وتجريد الأولى، وتبصير الجماعة
(1) سورة آل عمران، آية: 195
(2) سورة البقرة، آية:286
(3) سورة آل عمران، آية: 196
(4) سورة آل عمران، آية: 200
(5) محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) ، ط 2، (مصر: مطبعة المنار، 1350 هـ) ، 3/ 153