في الآيات التي سبقت قصة طالوت، جاءت قصة الذين أخرجوا من ديارهم وهي على الصحيح قصة واحدة متكاملة لأمّة ذلت ثم عزت، هُزِمت ثم انتصرت، وهذا مصداق قول ابن عباس رضي الله عنه، حيث روى الطبري بإسناده إليه أنه قال:" (حذر الموت) فرارًا من عدوهم، حتى ذاقوا الموت الذين فروا منه. فأمرهم فرجعوا، وأمرهم أن يقاتلوا في سبيل الله، وهم الذين قالوا لنبيهم: (( ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله ) )" [1] .
ولم يرد دليل صحيح يبين لنا حالهم، ولا سبب خروجهم، ولا عددهم. ولكن الظاهر أن عددهم كان كبير جدًا، وهذا ما يُشعْر به لفظ (ألوف) [2] .
وأنهم فروا خوفًا من قتال الأعداء لهم، وللمفسرين أقوال عديدة عن تفسير قول الله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ... } الآيات [3] .
قال (ابن عطيّة) بعد أن ذكر بعضًا من هذه الأقوال:"وهذا القصص كله ليّن الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدًا أخبارًا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم ليروا هم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة هي بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولاغترار مغتر" [4] .
(1) الطبري، جامع البيان، مرجع سابق، 5/ 278
(2) هناك فرق في لفظة (ألوف) و (آلاف) ، فلفظة (آلاف) من أوزان القلّة، و (ألوف) من أوزان الكثرة، ولذلك قال سبحانه: (( ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) ) [آل عمران: 124] لأن القلّة من الثلاثة إلى العشرة فإن تجاوزوها كثرة، ولذلك قال بعضهم في عدد الذين خرجوا من ديارهم أنهم قطعًا أكثر من عشرة آلاف، وبعضهم أوصلهم إلى أربعين ألفًا. [السامرائي، فاضل، محاضرات تفسير سورة البقرة، مفرّغة في ملف Word]
(3) سورة البقرة، الآيات 245:243
(4) ابن عطية، مرجع سابق، 1/ 238