إن القرآن يجيء بمعطياته التاريخية، من أجل أن يحرك الانسان صوب الأهداف التي رسمها الاسلام، ويبعدها - في الوقت ذاته - فردًا وجماعة، عن المزالق والمتعرجات التي أودت بمصائر عشرات بل مئات من الأمم والجماعات والشعوب.
لماذا نبحث عن مناهج مستوردة للبحث التاريخي، وعندنا منهج القرآن يؤكد أن التاريخ لا يكتسب أهميته الإيجابية إلا بأن يتخذ كميدان للدراسة والاختبار، نستخلص منه القيم والقوانين التي لا تستقيم أي برمجة للحاضر والمستقبل إلا على هداها [1] .
إن القرآن الشريف لا يعارَض في قصصه بالتاريخ إذا خالفه، فإنه وحي إلهي منزه عن الخطأ، مبرأ عن الكذب، فلا يعارضه من التاريخ ما لا نسلّم بسلامته من الكذب والخطأ، فأغلب القصص القرآنية، كالقصة التي معنا - قصة طالوت - تخالف ما يوجد في كتاب العهد القديم ولا ضير في ذلك، فإن العهد القديم لا يزيد عن التواريخ المعمولة، التي قد علمت كيفية تلاعب الأيدي فيها وبها، على أن مؤلف هذه القصة وهي قصة صموئيل وشاؤل بلسان العهد القديم غير معلوم الشخص أصلًا، كما سأبينه في دراستي لسفر صموئيل الأول فلا نبالي بمخالفة القرآن لما يوجد منافيًا له في التواريخ، وخاصة في كتاب العهد القديم. فالقرآن هو كلام الحق من الحق عز اسمه.
ومن البدهي أنه لا تجوز محاكمة القرآن الكريم إلى التاريخ لسببين واضحين:
أولها: أن التاريخ مولود حديث العهد، فاتته أحداث لا تحصى في تاريخ البشرية ولا يعلم عنها شيئًا. والقرآن يروي بعض هذه الأحداث التي ليس لها لدى التاريخ علم عنها.
وثانيهما: أن التاريخ وإن وعى بعض هذه الأحداث هو عمل من أعمال البشر القاصرة يصيبه ما يصيب جميع أعمال البشر من القصور والخطأ والتحريف [2] .
(1) خضر، عبدالعليم عبدالرحمن، المسلمون وكتابة التاريخ، ط 2، المعهد العالي للفكر الاسلامي، 1415 ه -1995 م، ص 272:271 (بتصرف) .
(2) مطاوع، سعيد عطية علي، الاعجاز القصصي في القرآن، ط 1، (القاهرة: دار الآفاق العربية، 2006 م) ، ص 48:47
وكذلك: الخالدي، صلاح عبد الفتاح، الشخصية اليهودية من خلال القرآن، ط 1، (دمشق: دار القلم، 1419 ه-1998 م) ، ص 54:53