ولا بدّ أن نشير هنا إلى معنى هام، وذلك أن الله لم يقل: اصطفاه لكم، وإنما قال"اصطفاه عليكم"وفيه زيادة معنى أن الله فضّله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للملك [1] .
ولذلك لا بد أن لا ينظر إلى كلمة (الاصطفاء) مجّردة عما بعدها، فإنها تأتي في اللغة على أربعة أنحاء، حيث يختلف معناها في كل قسم من هذه الأقسام، فأحيانًا تستعمل دون حرف، وأخرى مع (من - على - اللام) .
والذي يهمنا أنها إذا استعملت مع (على) فإنها لا تفيد فقط مجرد الانتخاب، وإنما ترجيح المنتخب بما يمتاز به على المجموع من كمال الاستعداد والتهيئة النفسية والفطريّة.
ثانيًا: البسطة في العلم:
قال ابن عباس رضي الله عنه: (كان طالوت يومئذٍ أعلم رجل في بني إسرائيل) [2] .
وهذه البسطة في العلم التي حظى بها (طالوت) ، ليست خاصة بعلم من العلوم، بل هو علم مطلق [3] ؛ فإن القرآن عندما أشار إلى أنه أوتي (بسطة) ، فقد أشعرنا ذلك بأنه لم يختص بعلم واحد دون سائر العلوم، بل ينطبق ذلك على العلم الديني والدنيوي، إذ أن مهمة الملك كما هو معلوم"حراسة الدين وسياية الدنيا" [4] ، فحراسة الدين لا يمكن أن تأتي إلا بوجود حد أدنى من الورع والتقوى وكذلك نصيب وافر من العلم الشرعي، وسياسة الدنيا لا تأتي إلا بوجود الخبرة الميدانية والثقافة العسكرية والحربية، وهو ما سيمّر علينا تفصيله في (المؤهلات القيادية) .
ولا حاجة لنا إلى التذكير بأهمية العلم بالنسبة للملك فقد قال (الطرطوشي) :"اعلم -أرشدك الله- أن أكثر الناس حاجة إلى العلم والتفقه أكثرهم عيالًا وأتباعًا وخدمًا"
(1) محمد رشيد رضا، مرجع سابق، 2/ 477
(2) القرطبي، مرجع سابق،3/ 246، وكذلك: البغوي، مرجع سابق، 1/ 298
(3) ابن كثير، البداية والنهاية، مرجع سابق،2/ 7
(4) الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق: أحمد مبارك البغدادي، ط 1، (الكويت: دار ابن قتيبة، 1409 ه-1989 م) ، 1/ 3