في هذا السياق، لا يمثل الأفق الاقتصادي للمؤسسات بالضرورة أهمية كبرى. وبالتالي لا تؤدي شروط سوق العمل دورا حاسما في عملية التوظيف. حيث تعتمد هذه الأخيرة على حزمة المحفزات المباشرة وغير المباشرة التي تقدمها السلطات العمومية. ولذلك تندرج هذه السياسة ضمن منظور الفترة القصيرة، أين يتمثل الهم الأساسي للسلطات العمومية في امتصاص أكبر قدر من القوى العاطلة. ويتنافى منطق هذه السياسة مع وجود أية ديناميكية في سوق العمل. لهذا يمكن اعتبار سياسات الحد من البطالة سياسات سلبية طالما أنها تستهدف امتصاص البطالة الموجودة والرجوع بها إلى مستويات يمكن تحملها، ودون أن يصل طموحها إلى غاية زيادة مستوى الطلب على العمل في الاقتصاد (خلق مناصب شغل) . كما يمكن الإشارة في الأخير إلى أن هذا المنطق في مقاربة عملية التشغيل لا يولي أهمية كبيرة لجودة العمل لاسيما من زاوية الدخل.
انطلاقا مما سبق، وبناء على تحليلنا للجهود التي بذلتها الجزائر في هذا المجال في مختلف مراحل تنميتها، يمكن القول أن فلسفتها في مجال العمل تميل إلى الاعتماد على المنطق الثاني؛ أي ذلك الذي يهدف إلى الحد من مستوى البطالة. ويعتبر هذا الاستنتاج أكثر وضوحا خلال مرحلة التخطيط المركزي للاقتصاد وهيمنة مؤسسات القطاع العام. حيث أن السياسة الوطنية للتشغيل في هذه المرحلة كانت تقتضي دفع المؤسسات العمومية إلى توظيف أكبر قدر من العمال حتى ولو لم تكن هناك ضرورة اقتصادية، وقد كان هذا الأمر يشكل من وجهة نظر السلطات العمومية عنصرا من عناصر العدالة الاجتماعية في تلك الفترة.
حتى وإن تغير الأمر بشكل طفيف بعد التخلي عن نهج التسيير الإداري المركزي للاقتصاد والمرور نحو اقتصاد يعتمد على قواعد السوق، حيث كان مطلوبا العمل على تحقيق نوع من المردودية في أداء المؤسسات، إلا أن هذا التحول لم يستطع أن يشكل تغيرا في المنطق العام للعملية، حيث يبقى هم السلطات العمومية يتمثل في السعي نحو الحد من البطالة وليس تجديد قوى الإنتاج. وربما نستطيع أن نستدل على هذه الخلاصة باستحضار التجربة الجزائرية في مجال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، حيث لا تتوقف السلطات العمومية في التأكيد على أن الهدف من هذه السياسة (دعم إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة) يتمثل في الحد من البطالة وليس خلق فضاء إنتاجي جديد ومتنوع يستطيع الاضطلاع بجر قاطرة النمو الاقتصادي وتعزيز التشغيل في المدى الطويل (3) .
تشير الخلاصة السابقة إلى دور العوامل الهيكلية والمؤسسية في الحالة التي يوجد عليها وضع التشغيل في الجزائر. ويشكل الإطار المؤسسي بالذات أهمية ليست قليلة الأهمية في صلابة سوق التشغيل وضعف فعالية سياسة التشغيل. ويعكس هذا الإطار المؤسسي عبر مختلف تطور مراحل التنمية ووسائل إدارتها الإرادة الحكومية في اعتماد منطق الحد من البطالة كمقاربة أساسية لمحاربة البطالة في البلاد. وجعلها ذلك تفتقد إلى المبادرة القوية وتواصل التحرك تحت نوع من الضغط الاجتماعي المتواصل.