الصفحة 6 من 15

يسمح لنا التحليل السابق بضرورة التمييز بين مفهومين أساسيين يكون له بالغ الأثر في تقييم مدى ديناميكية سوق العمل وقدرته على استيعاب القوى العاملة العاطلة. ويتعلق الأمر بمفهومي سياسة التشغيل Politique de l'emploi وسياسة محاربة البطالة Politique de lutte contre le chomage. وإن كانت كلتا السياستين تهدف في نهاية المطاف إلى تحقيق تقليص البطالة في الاقتصاد إلا أن فعالية السياستين غير متماثلة لا من حيث وتيرة تحقيق هذا الهدف ولا من حيث استمراريته في الزمن ولا حتى من ناحية ضمان جودة العمل في المستقبل.

عندما نتحدث عن مفهوم التشغيل نضع أنفسنا ضمن منطق اقتصادي. حيث أن المؤسسات الإنتاجية تطلب العمالة لتنفيذ خططها الإنتاجية. وفي سبيل ذلك تقوم بعملية حساب اقتصادي تقارن بموجبه بين تكلفة العمالة الموظفة ومردودها. استنادا إلى ذلك، تقوم المؤسسات بتوظيف حجم معين من العمالة بناء على إنتاجيتها الحدية. هذا هو الإطار الاقتصادي الوحيد للتعامل مع عنصر العمل.

تتضمن سياسة التشغيل مجموع التدابير التي تسهل توظيف المزيد من العمالة من طرف المؤسسات. حيث تتوجه هذه التدابير بشكل خاص نحو ترقية سوق العمل بشكل تجعله يستجيب إلى الظروف التي تعيشها هذه المؤسسات. وعلى هذا الأساس، تتميز سياسات التشغيل غالبا بكونها سياسات ذات طابع هيكلي لأنها تستهدف نزع العراقيل التي تحول دون تحقيق مستوى التشغيل المأمول من طرف المؤسسات. لذلك تعتبر سياسات طويلة المدى لأنها لا ترمي إلى توظيف العاطلين في اللحظة الراهنة ولكنها ترمي إلى تهيئة الاقتصاد لتوظيف المزيد من العمالة في المستقبل نتيجة دخول أعداد إضافية إلى سوق العمل. وبالتالي فإن سياسات التشغيل تهدف أساسا إلى زيادة ديناميكية هذه السوق عبر مختلف التدابير سواء كانت ذات طابع اقتصادي بحت أو مؤسسي أو غير ذلك. ولذلك يمكن اعتبار هذه السياسة بأنها سياسة نشطة تسمح للاقتصاد بخلق مناصب عمل جديدة وفق معايير اقتصادية.

إن الاعتماد على سياسة للتشغيل يعني إعطاء الفرصة للمؤسسات بالتوظيف وفق ظروفها الخاصة وخططها الإنتاجية التي تعكس حساباتها الاقتصادية. ويشكل هذا الأمر عنصرا مساعدا للمؤسسات على ضمان توازناتها التشغيلية التي تسمح لها بالاستمرار في عملية التوسع. ويسمح ذلك لها ليس بزيادة توظيف المزيد من العمالة في المستقبل فحسب ولكن يسمح لها أيضا بتحسين جودة العمل عن طريق إطالة عقود العمل التي يبررها الأفق الاقتصادي الجيد.

بالمقابل، عندما نتحدث عن سياسة للحد من البطالة فإننا نضع أنفسنا في سياق اجتماعي للعملية. حيث تتم العملية بمحاولة توظيف أكبر عدد من العمالة بغض النظر عن الظروف التي تمر بها المؤسسات. يتمثل مقياس النجاح هنا في عدد العمال الذين تم النجاح في توظيفهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت