أن جودة الاستثمار يمكن أن تؤدي إلى إعطاء نتائج متباينة على صعيد التشغيل بالنسبة لحجم معين من الاستثمار.
ولكن يتضح أن العوامل الهيكلية والمؤسسية تلعب دورا لا يقل أهمية عن الدور الذي يلعبه حجم الاستثمار وجودته في مجال التشغيل، نظرا لأثرها البالغ على الإنتاجية. وإذا كانت العوامل الهيكلية تشير إلى تنظيم الاقتصاد بصفة عامة ومكانة المؤسسة ودورها في أداء هذا الاقتصاد بصفة خاصة، فإن العوامل المؤسسية تشير إلى مختلف النظم والقوانين التي تحكم سياسة التشغيل والتي تؤثر بالتالي على طبيعة سوق العمل وتنظيمه وأدائه.
إن إطارا مؤسسيا يتصف بمرونة كافية من شأنه أن يخلق نفس القدر من المرونة على سوق العمل. وكلما كان ذلك متوافرا كلما أمكن للمؤسسات بمواجهة الصدمات التي تأتي من السوق. ويسمح لها ذلك بامتلاك المقومات الأساسية للتكيف والاستمرار والتوسع، وهو ما يعتبر أمرا مهما بالنسبة للتشغيل في المدى الطويل. على العكس من ذلك، يمكن أن يسمح إطارا مؤسسيا جامدا بحماية العمالة الموجودة فعلا في لحظة معينة، ولكن ذلك سوف يكون بالضرورة بشكل مخالف للقواعد الاقتصادية، حيث يشكل ذلك عبئا على المؤسسات والاقتصاد والمجتمع ويكون عاملا لاستهلاك الثروات عوض أن يكون عاملا لخلق الثروات، وسوف يؤدي ذلك في المدى الطويل إلى خلق عجز كبير لا يمكن معالجته بسهولة ويتطلب ذلك موارد اقتصادية إضافية كبيرة.
إن إطارا مؤسسيا للعمل لا يتصف بالمرونة الكافية يكون غير قادر على تصحيح الاختلالات على مستوى المؤسسات. وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى سوء استعمال عناصر الإنتاج لاسيما عنصر العمل. ويخلق ذلك جمودا على مستوى سوق العمل. حيث لا تستطيع المؤسسات تجديد قوتها العاملة ولا تستطيع تغيير مستوى عمالتها تماشيا مع تطور نشاطها (الطلب على منتجاتها) والتكيف مع الأوضاع التي يفرضها المحيط (المنافسة) . فضلا عن ذلك، تصبح هذه المؤسسات عاجزة عن استيعاب فائض العمالة الجديد، وتقل فرص القادمين الجدد في الدخول إلى هذه المؤسسات، وهو ما يجعل هذا الإطار المؤسسي، الذي يعكس سياسة تشغيلية معينة، إطارا يتصف بعدم العدالة منظورا إليه من زاوية الأجيال المختلفة. بالفعل، فإذا كان الإطار المؤسسي الصلب يحمي (شكليا) العمالة الموجودة فهو يقلل من فرص الأجيال القادمة على العثور على فرص عمل ملائمة نظرا لعجز المؤسسات على عرض مثل هذه الفرص.