الصفحة 11 من 15

إن البطالة تؤثر في مدى إيمان الأفراد وقناعتهم بشرعية الامتثال للأنظمة والمبادئ والقواعد السلوكية المألوفة في المجتمع. وبذلك فإن البطالة لا يقتصر تأثيرها على تعزيز الدافعية والاستعداد للانحراف وإنما تعمل أيضًا على إيجاد فئة من المجتمع تشعر بالحرية في الانحراف. ووفقًا لهذه القناعة والإيمان فإن انتهاك الأنظمة والمعايير السلوكية العامة أو تجاوزها لا يعد عملًا خطأ أو محظورًا في نظرهم لأنهم ليسوا ملزمين بقبولها أو الامتثال لها.

أن الفقر والبطالة يؤديان إلى حالة من شعور الرفض والعداء تجاه المجتمع وعدم الإيمان بشرعية أنظمته والامتثال لها مما يؤدي إلى الانحراف والسلوك الإجرامي وبخاصة فيما يتعلق بجرائم الاعتداء على النفس. لذا فإن ضعف الضوابط الأسرية وتأثير القيم العامة الذي ينتج من ارتفاع نسبة البطالة في المجتمع يؤدي إلى ضعف الاستعداد والقابلية للامتثال والتكيف مع الأنظمة والضوابط الاجتماعية وهذا الوضع يكون سببًا رئيسًا في زيادة نسبة الجريمة، وبخاصة جرائم الاعتداء على الأملاك (السرقة، وسرقة السيارات) ، التي يصعب في الغالب السيطرة عليها من قبل المؤسسات المعنية بالضبط الإداري (الأجهزة الأمنية) .حيث نجد أن معدلات جرائم السرقة للسيارات بمدينة الرياض في المملكة العربية السعودية بين الأعوام (من عام 1406 هـ / 1985 م - 1411 هـ / 1990 م) قد بلغت 76.3%.

تؤدي حالة البطالة لدى الأفراد إلى التعرض لكثير من مظاهر عدم التوافق النفسي والاجتماعي إضافة إلى أن كثيرًا من العاطلين عن العمل يتصفون بحالات من الاضطرابات النفسية والشخصية. فمثلًا يتسم كثير من العاطلين بعدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية لديهم. إضافة إلى أن العاطلين عن العمل يتعرضون للضغوط النفسية أكثر من غيرهم بسبب معاناتهم من الضائقة المالية، التي تنتج من جراء البطالة.

العمل يدعم ويعزز الوظائف التالية:

1.تنظيم وجدولة الوقت.

2.اللقاء والاتصال الاجتماعي.

3.المشاركة في تحقيق أهداف أو مقاصد عامة.

4.تحقيق الذات - المكانة والهوية.

5.أداء وممارسة أنشطة معتادة.

لذا فإنه في حالة البطالة والتعطل يفتقد الفرد هذه الوظائف على اعتبار أنه ليس هناك ما يدفعه أو يتطلب منه القيام بها، الأمر الذي يؤدي به إلى الشعور بعدم الانتماء والعزلة مما يحد من توافقه وتفاعله مع المجتمع. كما ثبت أن العاطلين عن العمل ممن تركوا مقاعد الدراسة بهدف الحصول على عمل ثم لم يتمكنوا من ذلك يغلب عليهم الاتصاف بحالة من الملل والوحدة والشعور بالغضب نحو المجتمع إضافة إلى الشعور بحالة من البؤس والعجز. علمًا أن بعض الدراسات أكدت ازدياد وجود حالة الشعور بعدم الرضا عن الحياة لدى العاطلين عن العمل أكثر مما هي عليه لدى العاملين بدوام كامل.

لذا تحدث حالة البطالة خللًا في عملية التكيف النفسي - الاجتماعي للفرد مع مجتمعه، الأمر الذي يؤصل الشعور الدائم بالفشل والإخفاق مما يدفع إلى العزلة وعدم الانتماء وبهذا يصبح الفرد عرضة للإصابة بحالة الاكتئاب التي تؤدي بالفرد إلى اللجوء لتعاطي المخدرات وسيلة للخروج أو الهروب من معاناة الواقع ومواجهته علمًا أن الاكتئاب يعد من أهم العوامل النفسية الدافعة إلى الإدمان وذلك لما يلازم حالة الاكتئاب النفسي من توتر وإحساس بالعجز عن مواجهة الضغوط الخارجية. (15)

إن الوضع السياسي والأمني يلعب أيضا دورا كبيرا في تغيير معدلات البطالة بشكل عام حيث نشهد أن الدول التي يكون فيها النظام السياسي نظاما مستقرا ويتمتع بنوع من الأمن والهدوء لا تحكمه أمزجة فردية أو أحزاب أحادية المنهج والتكوين ويتمتع بقدر معقول من التعددية الحزبية التي تمارس دور الرقيب على مجمل السياسات المحلية والقرارات التي تخص امن وسلامة واقتصاد المجتمع ككل. في مثل هكذا نظام سياسي تعددي قائم على أساس الكفاءة والعدل والشفافية سنجد حتما أن معدلات البطالة تشهد انخفاضات وانحدارات ملحوظة بل على العكس فإننا قد نلحظ نشاطا ملحوظا في ارتفاع معدلات العمالة والتوظيف في القطاعات الإنتاجية المختلفة كقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والتعليم والصحة والبيئة وما إلى ذلك.

أكثرية علماء الاجتماع يعتبرون البطالة والفقر سببان رئيسيان في زيادة العنف الاجتماعي بمختلف أشكاله وطرقه ومؤشران على نهج السياسة التسلطية التي تمارسها الدولة وقيادتها السياسية. إلا أن البطالة باعتبارها تصيب الفئات الكادحة والفقيرة أكثر من غيرها لم تشهد وتائر تصاعدها وانتشارها مثلما حدث بعد حرب الخليج الثانية وخروج العراق من دولة الكويت واتسعت مظاهر البطالة يومًا بعد آخر بسبب السياسة التسلطية القمعية للأنظمة الدكتاتورية التي كانت تضع الخطوط الحمراء في التعيينات والتوظيفات وحسب المفهوم الحزبي الضيق والعشائري المقيت وبما أن البطالة نتيجة طبيعية في النظام الرأسمالي وملازمة له فهي أصبحت حالة عائمة في الأنظمة الدكتاتورية ومنها العديد من أشكال الحكومات الفردية في العالم العربي خصوصا وفي العالم الثالث بشكل عام. وقد تكون الأسباب كثيرة منها ألازمة السياسة والحصار الاقتصادي وتشويه الاقتصاد وكثرة نماذجه.

إن مثل تلك سياسات تولد بالتأكيد نسبا من البطالة قد تكون كارثية على جميع القطاعات ولنا في الجمهورية العراقية أوضح بيانا ومثالا على ذلك. فبعد غزو العراق من قبل القوات الأمريكية وتغير نظام الحكم فيه الذي كان يعتمد على سياسة الحكم الفردي المطلق بأنظمة كان يقال عنها بأنها تتسم بالصفات الديمقراطية إلا أن الواقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت