العملي قد أكد أن تلك الأنظمة لازالت مشتركة في مفهوم الحكم الفردي السابق مع اختلاف بسيط هو التظاهر بالديمقراطية الإعلامية أما ما يدور في أروقة الدولة وكواليسها هو في الحقيقة لم يختلف كثيرا عما سبقه. ولكي لا ننحرف عن لب الموضوع فلن نتوسع في الوصف أكثر من ذلك.
فقد شهدت ساحة العمل في العراق مشاكل حقيقية موروثة قديمًا وأخرى جديدة وجدت بسبب انهيار الدولة وإعادة البناء بشكل مشوه غير طبيعي وإتباع سياسة التعيين الحزبي والطائفي مما أدى إلى زيادة في عدد العاطلين والتحاق عاطلين جدد بسبب حل الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية وقيام بعض الأحزاب الطائفية بالاستيلاء على الوزارات وتعيين منتسبيها وموظفيها وعمالها حسب المفهوم الحزبي القديم والطائفي الجديد فأصبحت العديد من المؤسسات والدوائر عبارة عن دوائر مغلقة للبعض ومن الصعوبة بمكان أن يُوظف فيها من غير الموالين وأصبحت المحسوبية والبيروقراطية والروتين منهجية منظمة يعمل بها وقد يجابه المواطن بطلب تزكية من حزب ما أو جهة معينة مما أدى إلى توسع دائرة الفساد المالي والإداري.
التقارير الكثيرة التي صدرت من قبل لجان النزاهة والمراقبة أشارت بكل وضوح إلى الكم الهائل من المعوقات والتجاوزات والسرقات وغيرها من القضايا السلبية التي أضرت بالاقتصاد الوطني وتفاقمت مشاكل المواطنين بدلًا من حلها ولقد أثرت مجمل الأوضاع الاستثنائية على حياة المواطنين واتساع ظاهرة اللجوء بسبب العنف الطائفي وممارسات المنظمات والمليشيات الطائفية المسلحة كما أدت هذه الظاهرة إلى زيادة في أعداد العاطلين عن العمل حيث أفادت مصادر وزارة التخطيط في آخر إحصائية جديدة لها بان البطالة بلغت 50% بين الشباب ووصلت حالة الفقر إلى 60% في العراق وتشير إحصائيات أخرى إن البطالة ازدادت بشكل عام حتى وصلت إلى أكثر من 60% مع تدهور مستمر في الحالة المعيشية والاقتصادية للمواطنين وبخاصة الفئات والطبقات الكادحة حيث بلغت حوالي أكثر من 65% وتتحمل هذه الفئات الكادحة وزر وثقل صعوبة المعيشة والبطالة المتفاقمة بينهم.
في ظل وضع كهذا وتفاقم أعداد البطالة وزيادة الضغوط النفسية على المواطن الكادح البسيط فإننا لا نتوقع أي مظهرا من مظاهر النزاهة والشفافية بل على العكس فإننا نجد أن شبح البطالة قد ألقى بظلاله الكئيب على قطاعات واسعة من المجتمع بحيث تنجم عن تلك البطالة والاستقرار الأمني المظاهر التالية:
-انتشار واتساع دائرة الفساد المالي والإداري.
-تفشي المحسوبية والتملق للمسئولين وأصحاب القرارات.
-تفكك أواصر اجتماعية كانت فيما مضى من أهم وابرز صفات ومكونات المجتمع بحكم الفتن والعوز والفاقة.
-انخفاض مستوى التعليم كما ونوعا.
-تزايد ظاهرة عمالة الأطفال وهجرة المقاعد الدراسية مبكرا كنتيجة طبيعية لتدني الحياة المعيشية وانتشار الفقر.
-تدني مستوى الخدمات والوعي الصحي نتيجة إلى انعدام الأمن والاستقرار السياسي.
كما أن مشكلة البطالة وانعدام الأمن السياسي وارتباطه بالفقر والحاجة قد يصيب الدول المتقدمة أيضا وقد لوحظ في ألمانيا تزايد العنف داخل محيط اليمين المتطرف في ألمانيا. هذا ما أشارت إليه آخر الأرقام التي عرضها مكتب التحقيقات الجنائية الفدرالي حيث أظهرت تلك الأرقام أن عدد أعمال العنف التي قام بها متطرفون يمنيون ألمان شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال السنة الجارية. فقد سجل الجهاز الأمني ما يربو عن 8000 جنحة قام باقترافها أشخاص محسوبين على اليميني المتطرف في عام 2006 م وهي زيادة بلغت نسبة 20 في المائة مقارنة مع العام السابق 2005 م لكنها تمثل في نفس الوقت زيادة بنسبة 50 في المائة مقارنة مع إحصائيات أجرتها الأجهزة الأمنية في عام 2004.ويسود نوع من الجزم في الأوساط السياسية الألمانية بأن الفقر والمشاكل الاجتماعية، التي باتت تحيط بعدد متزايد من المواطنين الألمان بالإضافة إلى تفشي البطالة بين فئة الشباب تعد أهم العوامل التي تقف وراء نمو التيار اليميني المتطرف داخل ألمانيا واتساع شريحة مؤيديه. لذا يرى معظم الخبراء الألمان أن محاربة التطرف اليميني يبدأ بتحسين الظروف الاقتصادية وخلق مناصب شغل جديدة وتهيئة برامج اجتماعية لإدماج ومساعدة المتطرفين اليمينين الذين يرغبون في الانتقال إلى بيئة جديدة بعيدة عن العنف والتطرف. (16)
تؤدي تداعيات البطالة نتيجة إلى تأثير الوضع السياسي والأمني العام إلى تداعيات خطيرة ومنها ما يتعلق بمبدأ الشفافية حيث أن انتشار البطالة وتفشي الفقر يؤديان بالنتيجة إلى اختفاء مفهوم الشفافية والنزاهة ويكون العامل السياسي والأمني من أهم الأسباب التي تقف وراء ذلك. كما أن هنالك عوامل إضافية تساعد على اضمحلال الشفافية والنزاهة واختفائها شيئا فشيئا من بين قاموس ومعجم العلاقات الإنسانية ومنها التالي:
• عدم وجود قوانين ردع كافية ومحاكم تحاسب المسيء.
• التغيرات السياسية و الاقتصادية التي ترمي أصحاب السلطة فجأة إلى هاوية الفقر والحرمان.
• غياب آليات الردع المجتمعي فالمعايير الأخلاقية تعتمد على ميزان القوة.
• التدهور الثقافي و تسلق السلم الوظيفي دون المرور بالتدرج و مراتب السلم الوظيفي.