تبقى كثير من الدول العربية بمنأى عن تأثيرات و اتجاهات العولمة و الاندماج الفعلي في نظام التجارة العالمي و الأسواق العالمية باستثناء الدول العربية النفطية التي تعتمد في علاقاتها مع الأسواق العالمية عل تصدير النفط إليها و استيراد احتياجاتها من السلع الاستهلاكية و الإنتاجية من هذه الأسواق. كما نعلم أنه خلال العقود الثلاثة الماضية اتجهت الاستثمارات الرأسمالية العالمية بصورة أساسية إلى دول شرق آسيا و بعض دول أمريكا اللاتينية عبر الشركات المتعددة الجنسيات، و لم يكن نصيب الأقطار العربية من هذه الاستثمارات بالقدر الذي يستحق الذكر، و على عكس ذلك من المفارقات العجيبة أن القسم الأكبر من الموارد المالية العربية و بصورة خاصة الفوائض المالية النفطية اتجهت صوب الأسواق و المصارف العالمية لتصب في دورة رأس المال العالمي و إعادة إنتاجه في غير الدول العربية، حيث يقدر مجلس الوحدة الاقتصادية العربية أنها بلغت حوالي 800 مليار دولار أمريكي سنة 1991، بعد أن كانت أضعافا قبل حرب الخليج.
لتأكيد تأثير المتغيرات الدولية على العمالة العربية، تجدر الإشارة إلى أن تطور التقسيم الدولي الجديد للعمل، دفع بالشركات المتعددة الجنسيات للاهتمام بالدول الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية و تركيز استثماراتها في هذه الدول التي تدر أقصى ما يمكن من الأرباح، فمن أصل 500 شركة دولية كبرى تركز ثلث عددها على الفروع الصناعية التي تتطلب استخداما عاليا لنتائج البحوث العلمية و التقنية، و غالبا ما تحتفظ هذه الشركات بمراكز البحوث و التطوير في مقراتها الرئيسية، و ما يمكن قوله في هذا المجال و نتيجة لاتجاهات الشركات الدولية و خياراتها لمناطق الاستثمار في العالم التي تحقق مصالحها، فان المنطقة العربية مازالت خارج اهتمام هذه الشركات باستثناء الشركات الدولية العاملة في مجالات النفط و مشتقاته و التي تستخدم تقنية عالية و أيدي عاملة عالية التأهيل، و قد تكون غير عربية في كثير من الأحيان. يقدر عدد العاطلين عن لعمل في الوطن العربي حوالي 12 مليون فرد و حسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لسنة 1999 فإن عددا من الدول العربية (السودان، اليمن، الصومال، موريتانيا) تقع في ترتيب الدول ذات التنمية المنخفضة أو ما يطلق عليه بلدان الفئة الثالثة، و التي يبلغ نصيب الفرد من الاستثمارات الإجمالية حوالي 04 دولارات فقط، بينما يزيد نصيب الفرد من الاستثمارات في بعض الدول العربية ذات الفئة الثاني، وحسب نفس التقرير 31 دولارا، في حين يقارب 300 دولارا في الدول ذات الفئة الأولى.
لتبيان أثر الاتجاهات الدولية وأسواق العمل الدولية على العمالة العربية في ظل الأوضاع العربية الاقتصادية السائدة، يمكن الإشارة إلى بعض الأمثلة في بعض الدول العربية فعلى سبيل المثال بلغ عدد العاطلين عن العمل من الخريجين الجامعيين في مصر مليون وثمانمائة ألف عاطل عام 1995، كما هو معروف بدأت مصر تجربة الانفتاح والخصخصة وتحرير التجارة والأسواق في العديد من القطاعات قبل غيرها من البلدان العربية.
أما في الجزائر فقد بدأت سياسات التصنيع الثقيل بواسطة الشركات الأجنبية العملاقة وانتشرت مشاريع تسليم المفتاح باليد منذ مطلع السبعينات وحيث تم التركيز على رفع إنتاجية العمل بالاعتماد على التقنيات الحديثة دون الاهتمام بالتشغيل واستيعاب قوة العمل الفائضة.
تعم البطالة في الجزائر بين الشباب والنساء، فالبطالة والفقر يمكن إرجاع سببهما لما شهدته الجزائر خلال العشرية الماضية من أعمال تخريبية. كما يمكن أيضا الاستدلال باليمن كمثال آخر عن التأثيرات السلبية الناجمة عن الخلافات العربية بالإضافة للعوامل الداخلية، فالبطالة والفقر تفاقما إلى حد خطير بعد عودة العمال اليمنيين من دول الخليج على إثر حرب الخليج الثانية ونتيجة لما يسمى بسياسات الإصلاح الاقتصادي التي تفرضها قوى العولمة التي أدت إلى التضخم الهائل وارتفاع الأسعار وعجز الحكومة عن دفع رواتب بعض فئات العمال و الموظفين.
إن انخراط المنطقة العربية في اتجاهات النظام العالمي الجديد قد يؤدي في المستقبل إلى زيادة الاستثمارات في بعض القطاعات التي تختارها القوى الممثلة لهذه الاتجاهات وفي مقدمتها الشركات الدولية وإلى زيادة إنتاجية العمل في بعض المؤسسات الإنتاجية والخدمية المرتبطة بالأسواق العالمية، إلا أن النتيجة المتوقعة للعولمة من خلال سياسات المؤسسات والمنظمات الدولية والشركات متعددة النشاط هي زيادة معدلات البطالة وتعميق الفقر وتعميمه. إذ يستحيل التفكير بأن الرأسمالية العالمية وتيارات أسواق العمل الدولية ستكون قادرة على حل هذه المشاكل الحالية والمتفاقمة في المستقبل. ومن الملاحظ أن أسواق العمل في الدول المتقدمة تسعى فقط إلى جذب الكفاءات والأدمغة النادرة القادرة على التلاؤم مع معطيات التقنيات الحديثة في هذه الدول وذلك خلافًا لما كان عليه الحال في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث فتحت الدول الأوربية أبوابها لليد العاملة الأجنبية ومنها العربية ومن مستويات مختلفة في المهارة لإعادة الإعمار وإصلاح ما خربته الحرب.
تمثل البطالة إحدى التحديات الكبرى التي تواجهها البلدان العربية لآثارها الاجتماعية و الاقتصادية الخطيرة، حيث طرحت منذ سنوات التحذيرات بشأن ما ستفرزه البطالة في واقع الدول العربية، و دق ناقوس الخطر من جراء عواقبها السلبية على المن القومي العربي، و مع ذلك فإن معدلات البطالة في البلدان العربية تتزايد يوما بعد يوم.
سيتم في الموضع بداية تناول معدلات التشغيل في البلدان العربية و ذلك بهدف إعطاء صورة واضحة للقارئ عن هذه الاقتصاديات، ثم تقديم تحليل للآثار التي تفرزها مشكلة البطالة بها.
تعد البطالة من الظواهر السلبية التي تهدد السلم و الاستقرار الاجتماعي، باعتبار أن دخل الفرد من عمله يمثل صمام الأمان و الاستقرار له و لمجتمعه، في حين أن البطالة و الحرمان من الدخل يولدان الاستبعاد و التهميش الاجتماعي علاوة على سائر العلل الاجتماعية الأخرى.
تعتبر معدلات البطالة في الوطن العربي الأسوأ في العالم حيث تجاوز معدلها 19.5% سنة 2001 مقارنة بالدول الإفريقية جنوب الصحراء (14.4 %) و البلدان الاشتراكية سابقا (13.5%) و دول أمريكا اللاتينية (9.9%) و بعض المناطق الآسيوية (أقل من 4.2 %) .
يجب أن ننوه في هذا المقام إلى تلاشي فكرة أن هناك دولا محصنة ضد البطالة كما كان يعتقد بالنسبة لحالة دول الخليج العربية، و ما يثير الدهشة أن معدل البطالة