حيث إسهامه في تفاقم مشكلة البطالة. بناء عليه على ما تقدم أمكن حصر أهم الأسباب التي تقف وراء تنامي الظاهرة في البلدان العربية في النقاط التالية:
-إخفاق خطط التنمية الاقتصادية في البلدان العربية (10) ؛
-نمو قوة العمل العربية سنويا؛
-انخفاض الطلب على العمالة العربية عربيا و دوليا؛
-المنعكسات السلبية للمتغيرات الدولية على العمالة العربية.
بالإمعان في تطور النمو الاقتصادي في البلدان العربية، نجد أنها قد جاءت مخيبة للآمال و لم تحقق ما كان منتظرا منها، فلم ترفع مستوى نصيب دخل الفرد العربي بدرجة محسوسة، و أشد من هذا أن الفجوة بين الدول العربية و الدول الصناعية المتقدمة في تزايد مستمر لتباين معدلات النمو في كل منها، و يمكن تحديد أشد العقبات التي تواجه الدول العربية في هاته المسألة من تأخرها عن مساعي التنمية، حيث يوعز ذلك إلى جمود الهيكل الاقتصادي للدول العربية إضافة إلى تأخرها في الجهود الإنمائية و الصناعية، حيث نجد أن صناعاتها الآن بالضرورة ناشئة لا تستطيع منافسة منتجات الدول الصناعية إلا إذا توافرت لها دفع من أنواع الحماية. و ما يزيد من العقبات التي تواجهها الدول العربية نتائج تباطؤها في تحقيق معدلات النمو الاقتصادي و فشل سياساتها الاقتصادية التي كان ينتظر منها تقليل قلاقل تفاقم أزمة البطالة بها.
إن ما نبرزه في هذا المقام هو بعض الجوانب التي تعيق تقدم مخططات التنمية الاقتصادية هاته الدول، حيث تبين هذه العقبات جانبا آخر من مساوئ الوضع الذي تواجهه الدول العربية نتيجة تأخرها في سلم التقدم الاقتصادي، و التي يمكن تحديدها وفقا للنسق الموالي:
في البلدان العربية على مدار العقود الثلاثة الماضية، و خاصة بعد الوفرة النفطية التي شهدتها فترة مطلع السبعينات، فقد دلت دراسة أجراها مركز دراسات الوحدة العربية أن من أبرز مظاهر خطط التنمية الاقتصادية هو وقوع أغلب الدول العربية في مأزق المديونية الخارجية التي وصلت سنة 1995 إلى نحو 220 مليار دولار، و في المقابل هروب رؤوس الأموال العربية إلى الخارج و التي تقدرها بعض المصادر بأكثر من 800 مليار دولار أمريكي، و كذا وجود أزيد من 60 مليون أمي عربي و 9 مليون طفل لا يتلقون التعليم الابتدائي، و بالنظر لغالبية السكان في الدول العربية نجد أنها تقع ضمن شريحة الدخل المتدني و خاصة في الأرياف، و أكثر من 10 ملايين لا يحصلون على طعام كاف.
هذا إضافة إلى غياب التخطيط الاقتصادي المنهجي و عدم تطابق برامج التعليم في معظم الدول العربية مع حاجات سوق العمل الفعلية، كما أن التكوين التعليمي في معظم الدول العربية لا يتجاوب مع التطورات التكنولوجية السريعة الجارية في عالم اليوم.
أدى تطبيق هذه البرامج إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال في شركات و مؤسسات القطاع العام. و في هذا الصدد يمكن الاستدلال بحالة الجزائر، فقد انتقل معدل البطالة من حدود 17% سنة 1986 إلى 30 % خلال السداسي الأول لسنة 1999 بسبب ما رافق الإصلاحات من تسريح للعمال و غلق للوحدات.
كما نشير هنا أن الحكومات العربية تخلت عن دورها التخطيطي بعد أن أصبح دورها يتركز فقط على الإشراف أو التوجيه عن بعد، و بالتالي غابت الأدوات الفعالة لتنفيذ الخطط التنموية و على رأسها الحد من البطالة.
نتج عن خصخصة مشروعات القطاع العام موجة تسريح هائلة من العمالة الموظفة لديها، و خاصة العمالة ذات الأجور المرتفعة أو خفض رواتب العمال الذين بقوا في وظائفهم. و قد أصبحت عمليات الخصخصة التي تجرى على نطاق واسع أكبر مصدر لنمو البطالة في البلدان العربية، و يضاعف من حرج الموقف قيام الشركات الأجنبية التي أصبحت تمتلك هذه المؤسسات بترحيل أرباحها للخارج مما يؤثر سلبا موازين المدفوعات و القدرة التراكمية للبلدان العربية.
باءت أغلب برامج التصحيح الاقتصادي التي طبقتها الدول العربية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي في إحداث أي نمو اقتصادي حقيقي، و بنسب مقبولة تعمل على التخفيف من حدة البطالة في هذه الدول، بل على العكس من ذلك تماما فقد وسعت هذه البرامج الفجوة و زادت من أعداد العاطلين عن العمل، و كذا إفقار قطاعات كبيرة من الشعب نتيجة لرفع الدعم على السلع و الخدمات الأساسية. انبثق عن تطبيق هذه البرامج سياسات نقدية و مالية و توجهات اجتماعية زادت من حدة البطالة في هذه الدول، و نذكر منها:
-تخلي الدولة عن الالتزام بتعيين الخريجين و تقليص التوظيف الحكومي؛
-تقليص معدل الإنفاق العمومي الموجه للخدمات الاجتماعية أدى إلى خفض مواز في طلب الحكومة على العمالة المشتغلة بهذه الخدمات؛
-تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي أدى إلى خفض الاستثمار الحكومي في خلق طاقات إنتاجية جديدة تستوعب الأيدي العاطلة.
نشير في هذا الصدد أن الدول العربية خاصة النفطية منها قد عادت من جديد للاهتمام بقطاعات كانت قد تخلت عنها خلال فترة انهيار أسعار النفط لتعاود دعمها من جديد، و خير مثال تستدل به هو حالة الجزائر، حيث أنها عادت من خلال طرحها لمشروع الإنعاش الاقتصادي و الذي رصدت له مبالغ مالية ضخمة.