الصفحة 4 من 15

"كنت ترى بائعي السندات السابقين على أرصفة الشوارع يحأولون بيع التفاح، على حين أصبح الكتبة السابقون يطوفون أحياء المال لكي يعيشوا على تلميع الأحذية ومسحها. وأخذ المتعطلون والمشردون يرحبون بالقبض عليهم بتهمة التشرد بغية الحصول على الدفء والطعام في السجن. وطلب أكثر من مائة عامل أمريكي العمل في الاتحاد السوفياتي."بهذه الصورة القاتمة يختزل شانون الأزمة الاقتصادية الخانقة التي كان يعرفها المجتمع الأمريكي وهي الظروف التي ستعلن عن ميلاد واحدة من أهم المدارس الاقتصادية ألا وهي المدرسة الكنيزية.

ولم يحدث قط في تاريخ الخمسين سنة الماضية أن تدهورت دخول الناس كما هوت في هذه الأزمة التي لم تبق على مرتبات الموظفين وذوي الدخول الثابتة والزراعيين، وهي الدخول التي من النادر أن تكون قد مست أو لم تمس على الإطلاق في الأزمات السابقة."لقد أدت مرحلة الأزمة هذه إلى تحولات جوهرية في دور الدولة التي كانت في السابق وبفعل ضغط الكلاسيكيين والنيوكلاسيك - المحايدة بشكل مطلق - لتتحول إلى جهة متدخلة على عكس التصور الرأسمالي الذي يمنح للسوق أهمية بالغة وقد تجلى تدخل الدولة وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية مع السياسة التي نهجها فرانكلين روزفلت والمعروفة (بالنهج الجديد) مركزة على العامة لزيادة حجم الطلب الكلي وكان لهذه السياسة آثار إيجابية على خفض معدلات البطالة والفقر في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك بريطانيا وألمانيا مع صعود النازية واتجاهها نحو الأشغال الكبرى والتسلح الضخم."

لقد برز كينز في كنف هذا التدخل الدولي في الشأن الاقتصادي على نحو غير مسبوق فنزعت نظريته إلى تبرير وتنظير هذا التدخل حيث يتبين من كتابات كينز ما لدور الدولة من أهمية في إقامة التوازن للنظام الرأسمالي وبالتالي نقض الأطروحة الكلاسيكية والنيوكلاسيكية. فقد ركز كينز على أهمية الطلب الكلي الفعال والذي يقسمه إلى طلب على سلع الاستهلاك من جهة وطلب على سلع الاستثمار وهذا الطلب هو الذي يحدد حجم العرض الكلي وبالتالي حجم الناتج والأجور والعمالة. وبالنتيجة فإن البطالة هي المقابل الموضوعي لضعف الطلب الكلي الفعال ولغرض القضاء عليها يجب تنمية الطلب الكلي لكينز أن يتعادل الادخار مع الاستثمار عن طريق الاشتقاق المنطقي من المعادلات التالية:

وتتضح أهمية هذه الخلاصة في ضوء المستجدات التي عرفها النظام الرأسمالي على عهد كينز حث بفاعلين جدد إلى مجال التحكم في الادخار والاستثمار عبر الأسواق النقدية والمالية وهو ما لم يعايشه الكلاسيكيون والنيوكلاسيك الذين لم يضعوا في الحسبان إمكانية انفصال الادخار عن الاستثمار إذ اعتبروا كل ادخار هو استثمار وبالتالي فلا مجال لوجود خلل بين العمليتين وهو ما أصبح ممكنا في عهد كينز الذي اعتبر الكساد والبطالة هما الحصيلة الموضوعية للخلل ما بين الادخار والاستثمار ومن ثم نادى بتدخل الدولة"فلو افترضنا مثلا أنه في فترة ما زاد حجم الادخار على الاستثمار فإننا نجد حسب المنطق الكنيزي أن الطلب الكلي الفعال سوف يقل عن العرض الكلي. في هذه الحالة سنجد أن المخزون السلعي في قطاع الأعمال يتزايد عن مستواه الطبيعي وتتراكم السلع في المحلات التجارية وتنخفض الأسعار وتقل الأرباح الذي يؤدي إلى الإقلال من حجم الناتج وتتزايد الطاقة العاطلة وتحدث البطالة وينخفض مستوى الدخل الوطني."

ولما كانت هناك علاقة دالية (علاقة ارتباط) بين مستوى الدخل الوطني ومستوى الادخار الوطني فإن انخفاض الدخل الوطني سيؤدي خلال الفترة الجارية إلى تقليل حجم الادخار حتى يتعادل مع حجم الاستثمار في نهاية الفترة. وبذلك يتحدد توازن الدخل الوطني عند مستوى أقل من مستواه في بداية الفترة. وخلال هذه الفترة يكون هناك انكماش قد حدث مسببا معه حدوث بطالة بين صفوف العمال.

لقد جاءت أعمال الاقتصاديين الإنسانيين في أعقاب النتائج المدمرة التي خلفتها الرأسمالية الصناعية على المستوى الإنساني حيث انتشرت مظاهرالبؤس والفقروالبطالة والدعارة والجريمة وارتفعت بذلك الهامشية الاجتماعية وعادت أوربا إلى ممارسات العبودية والاستغلال اللاإنساني للطبقة العاملة بل حتى الأطفال لم يتم استثناؤهم من الآلة الهمجية للاقتصاد الرأسمالي الصناعي.

لقد ركز الاقتصاديون الإنسانيون على أن البطالة هي النتيجة الموضوعية لهيمنة الملاك على الأرض والرأسماليين على وسائل الإنتاج وبالتالي الهيمنة على القيمة التي هي ناتج عمل القوى البشرية (العمالة) بينما مالكي وسائل الإنتاج ما هم إلا مجموعات طفيلية على هامش الإنتاج تسعى فقط إلى السيطرة على فائض القيمة وتنمية الأرباح بخفض تكاليف الإنتاج وخاصة تسريح اليد العاملة أو استغلالها استغلالا بشعا لذا اعتقدوا ومعهم لفيف من المفكرين الاقتصاديين بأن للطبقة العاملة الحق في أن تفهم آليات الاقتصاد السياسي لكي تفهم آليات الاستغلال وبالتالي تنظيم صفوفها لمواجهة الرأسمالية وهو ما تحقق في العام 1825 م. في بريطانيا إذ صدر أول قانون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت