الصفحة 420 من 474

أما حين تعجز القوتان القطبيتان عن ابتلاع المنطقة تماما، فقد تكتفيان باقتسامها وتنازعها: القطاعات الأكثر برية للقوة البرية، والقطاعات الأكثر بحرية للقوى البحرية، هنا تصبح منطقة الارتطام والتصادم منطقة رهو سياسي، منطقة شد وجذب ومد وجزر بين الطرفين. هكذا كان الشرق الأوسط القديم بين فارس وورثتها، وبين أثينا وروما، حين تقاسم الطرفان المنطقة في توازن حرج متوتر.

كذلك ففي هذه الحالة كثيرا ما يفرض التفتيت السياسي على المنطقة - سياسة البلقنة - حتى تكون سلسلة من الدويلات الحاجزة. وهذا ما فعله الحلفاء بعد الحرب الكبرى بشرق أوربا والبلقان والشرق الأوسط. وعادة ما تلجأ دول النطاق إلى لعبة خطرة هي استراتيجية مضاربة الطرفين ببعضها وذلك بأمل أن تضمن بقاءها، كما فعلت ايران طوال تاريخها الحديث، كذلك انتهت الحرب الأخيرة بتقسيم ألمانيا إلى شطرين يخضع كل منها لأحد الطرفين.

وقد يتفق الطرفان المتصارعان على تحييد جبري يفرض على دول المنطقة حيث توازن نفوذهما ويتعادل، وبذلك تصبح نوعا من الأرض الحرام أو أرضا بلا مالك

وأحيانا أخرى قد يؤدي الصراع - بمنطق عکسي - إلى الحفاظ على كيان بعض دول المنطقة، والمثل الكلاسيكي النادر هو تركيا. ففي وجه الخطر البري - الروسيا - الذي هدد أكثر من مرة كيان الإمبراطورية العثمانية. في صميمها، تقدمت القوى البحرية - فرنسا وبريطانيا - بسرعة إلى دعمها ومساندتها حتى عاشت بالفعل أطول مما ينبغي.

ويبقى في النهاية دور خط الاستواء السياسي، وبه نقصد أن ترتفع قوة المنطقة إلى مستوى خطورة موقعها لتؤكد وجودها وتفرض نفسها على التوازن العالمي بين قوى البر والبحر وترغمها معا على التزام حدودهما، وتمنع الالتحام بينهما بل وقد تخضع إحداهما أو كليهما لسيطرتها هي. ومن المهم أن هذا دور أقل حدوثا في التاريخ حتى ليوشك أن يكون شذوذا عابرا.

ولكن الأهم أن ذلك الدور لم يتحقق إلا بعد نوع ما من الوحدة بين أجزاء من المنطقة سواء منبثقة من الداخل أو مفروضة من الخارج. وهناك حالات ثلاث ارتفعت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت