الصفحة 380 من 474

المطلقة على البحار - بري أن الغلبة في الصراع من أجل السيادة العالمية مقدرة للقوة البحرية بفضل مرونتها وحريتها في الحركة وإمكان اعتمادها على موارد ما وراء البحار. وعلى هذا الأساس دعا بلده الولايات المتحدة إلى بناء قوة بحرية ضخمة تتكافأ مع قاعدتها الأرضية العظيمة من ناحية، ومحيطيها الجائلين من ناحية أخرى، وطالب بحفر قناة بنها لتتحول بها من دولة ساحلين إلى دولة ساحل واحد، وحدد مجال نفوذ الولايات البحري بغرب الأطلسي وشرق الهادي، واعتبر أن الدفاع عن الولايات المتحدة لا يبدأ عند سواحلها بل عند حدود هذا المجال البحري، ورأى أن بريطانيا هي الحليف البحري الطبيعي للولايات، وتنبأ بعد هذا بأهمية جزر الهادي هاواي والفلبين كقواعد أمامية متقدمة للدفاع، كما تنبأ بخطورة جزر الكاريبي بالنسبة لبرزخ بنها، وأوصى بضرورة السيطرة على هذه وتلك، أي دعا إلى الاستعمار البحري بصراحة (1) .

ومن الواضح أن جميع آراء وتوصيات مهان قد نفذت بالفعل حوالى دورة القرن في إدارة تيودور روزفلت، وواضح كذلك أن دعوته متفائلة بالنسبة للقوى البحرية، إذ يبشرها بالانتصار على أن الأوضح أنها لا تقدم نظرية استراتيجية كاملة بمعنى الكلمة وإن فسرت جانبا من الحقيقة. بالاختصار، لقد قدم آراءه في إطار ومجال أمريکي أولا، وفي ظل عصر السيادة البحرية القائمة ثانيا.

أما بعد ما كبندر فليس ثمة إلا تعديلات وتحفظات على النظرية، تملأ ثغراتها أو توضح معالمها دون أن تهز أركانها على الأرجح، ولعل أهم هذه التعليقات ماجاء من أقلام الجغرافيين البريطانيين أيضا، فوست وفيرجريف و إيست، ثم العالم السياسي الأمريکي سبيكمان. فكان فوست أكثر حذرا في تفسير الحقائق الطبيعية والبشرية، الأمر الذي دعم النظرية أكثر مما قوضها. أما فيرجريف فقد كتب كتابا كاملا عن و الجغرافيا والقوة العالمية، تبدو فيه بلا جدال إفادته الكبيرة من ماكيندر، مثلا يبدو في نهايته تحديد أدق وأوضح الخطوط النظرية أثراها بالتأكيد. بل سنرى أن كتابه هذا سيقرن في الترجمات الأجنبية في الخارج بكتابات ماكيندر. أما سبيكمان فقد أدخل تعديلات جوهرية على صلب النظرية قد تصل إلى حد الانتقاض عليها. وستعرض نحن أولا لنظرية ماكيندر ثم نردفها بتعديلاتها وتفريعاتها المختلفة هذه.

(1) الجيوبولئيکا، ج 1، ص 207 - 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت