ولا يزيد في أبعاده كثيرا عن أبعاد الصراعات البرية المحضة السابقة إن لم يقل. ولكن الحقيقة أن كل هذه الحركات هي أقرب في جوهرها إلى أن تكون صراعا بين قوي بحر وبحر أكثر منها إلى الصراع بين قوى البحر والبر بمعنى الكلمة. وحين نصل إلى هذا اللون الكامل من الصراع تأخذ الصورة أبعادا جغرافية جديدة تماما.
شکل (1) فجر الاستعمار البحري فينيقيا وقرطاجنة
وقد تطلعت قوة البحر أول ما تطلعت إلى التوسع الإقليمي في الأراضي المقابلة أو المجاورة أو المحيطة على اليابس. وبدأ بهذا خلق الإمبراطوريات البحرية الترامية الشهيرة في التاريخ thalassocracies والتي ستكون بمثابة نمط أولى بدائي prototype لإمبراطوريات الاستعمار الأوربي في عصرنا الحديث.
أثينا وروما فكانت اليونان أول مثل من هذا النوع حين توسعت عن دائرة العالم الإيجي لتشمل غرب آسيا الصغرى وأجزاء من إيطاليا Magna Gracia و أيبريا وشمال أفريقيا وليبيا ومصر والشام والعراق، ورغم أن الاستعمار الأغريقي كان ساحليا في جوهره، وحتي على السواحل كان يتألف غالبا من، جزر، تعميرية متقطعة - كالحمل والضفادع حول بركة، كما عبر أفلاطون (1) - فإنه بدأ ما أصبح بعرف فيما بعد بنظرية و وحدة البحر المتوسط، حيث جمع بين سواحله جميعا في ظل نظام سياسي امپراطوري واحد (2) .
وبعد اليونان نجحت روما في خلق إمبراطورية ارتكزت على البحر ولكنها لم تلبث أن تغلغلت في البر حتى أصبحت و الطرق الرومانية» أخطر أثرا في هيكل شبكة الإمبراطورية