الصفحة 254 من 474

بالطبع، أخذت موجة الاستعمار الأوربي الحديث في المنطقة من جديد شكل مواجهة بين الإسلام والمسيحية. كانت، يعني. ذات ظلال وإشعاعات صليبية بالضرورة. وفي هذا المعنى فلعل قولة الجنرال الفرنسي جورو في دمشق وها قد عدنا باصلاح الدين، والجنرال اللنبي البريطاني في القدس، الآن انتهت الحروب الصليبية،، أن تكون رامزة ومؤثرة بما فيه الكفاية. ومن الغريب الثير. المثير للملاحظة كما للأسف، أن هذه المسحة الدينية عادت مرة أخرى وأخيرة لتكرر وتؤكد نفسها مع آخر وأدني موجة من موجات الاستعمار الأوربي الحديث في المنطقة وهي الاستعمار الصهيوني القميء.

ولعل هذا أيضا أن يفسر فارقا آخر بقدر أو بآخر بين لون ونظرة ونوعية الاستعمار الأوربي الحديث في المداريات من جهة والعالم العربي أو العربي - الإسلامي من الجهة الأخرى. فلأن الجانبين أساسا من الجنس القوقازي الأبيض بدرجة أو بأخرى، كان الفارق الأبرز والألحظ بين الغرب الاستعماري والعالم العربي هو الذين لا اللون. أما في العالم المداري فلم يكن الفارق الدين - لم يكن ثمة دين أصلا في أغلب الحالات - وإنما الفارق كل الفارق وإلى الحد الصارم أحيانا هو اللون أساسا.

من هنا كان عداء أوربا الاستعاري مختلف التوجيه والتوكيد والتعبير. فهو مع العالم العربي والإسلامي بحمل روح الصليبية أو الطائفية في الدرجة الأولى، بينما يحمل مع سائر أفريقيا وآسيا طابع العنصرية والعرقية وضد الملونين في المحل الأول. ومن المؤشرات الدالة في هذا الصدد أن الاستعمار الأوربي في العالم العربي لم يجرؤ حتى في عز سطوته أن يقيم و الحاجز اللوني، ولا أن يمارس التفرقة العنصرية أو العزل العرق، في حين كان هذا هو الأمر اليومي والنظام المقرر السائد في سائر المداريات حيث اتخذ الوضع أحيانا شكل صراع الأجناس بالمعنى الغاشم والاستفزاز الفظ الفج.

الزحف الاستعماري قبل الاستعار الحديث، وكحلقة وصل وإن كانت واهية للغاية بينه وبين الاستعار الصليب الوسيط، دعنا أولا نذكر حالة خاصة وشاذة مثلا هي مجهرية لم تزل تعشش في النسيج السياسي للعالم العربي حتى اليوم. تلك أعني جيوب الاستعمار الإسباني في سبتة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت