الحديثة. فالاستعار الأوربي في العالم العربي «وباء راجع، فيما هو في المداريات «وباء وافد، كما يمكن أن نشبه أو نستعير. أما لماذا. فلا لشيء بالطبع سوى أن هذه المناطق الأخيرة كانت من المجاهل ولم تعرف إلا بعد الكشوف الجغرافية.
الند الوحيد
ثانيا: العالم العربي، ربما بمعناه الموسع الذي يضم قطاعا من العالم الإسلامي کتركيا ... الخ، هو المنطقة الوحيدة في العالم خارج أوربا التي تعد ندا كفئا لها ومنافسا خطيرا ليس فقط تاريخيا وحضاريا ولكن أيضا سياسيا وحربيا ومن حيث القوة. ولقد كانت الصليبيات بالتحديد هي آخر مظاهر ومراحل هذه الندية والتكافؤ، حيث ردت المنطقة الغزوة الأوربية الكاسحة على أعقابها مدحورة مكسورة. بل إن العالم العربي هو المنطقة الوحيدة قبل وخارج أوربا التي كانت في وقت ما القوة العظمى الأولى في العالم. وأحرزت لنفسها السيادة العالمية قرونا وأجبالا، وأخضعت مناطق شاسعة خارجها بما في ذلك أجزاء من أوربا نفسها. وفي كل الأحوال، فإن العالم العربي وحده، جنبا إلى جنب، مع أوربا هما فقط للمنطقتان الوحيدتان في العالم اللتان تنازعتا أو تناوبنا أو شاركنا في السيادة العالمية عبر التاريخ وفي تأسيس الإمبراطوريات والفتح والتوسع السياسي، فضلا عن خلق الحضارة الراقية بالمعنى المفهوم.
لهذا فقد كان حيا أن يكون للقاء الجديد أو المجدد في العصر الحديث حسابا خاصا جدا فائق الخطر لأنه كان جزئيا تصفية حسابات قديمة مؤجلة ومتراكمة ومعقدة. ولهذا كان اختراق العالم العربي بالذات هو التحدي الأكبر للاستعمار، بدونه لا تكتمل له السيادة العالمية حقا، وبه وحده بتحقق التويج القمي لزحفه. وبالمقابل، فلم يكن صدفة أن تبدأ نهايته في المنطقة وأن يكون مقتله على يدها.
المسحة الصليبية ثالثا، وأخيرا، فليس من سبيل إلى الشك في، أو التهرب من، أن جزءا من هذه التصفية وهذه المجابهة اتخذ بالضرورة مسحة دينية معينة بقدر أو بآخر. فكقلب العالم الإسلامي ورأسه وطليعته، وكما حدث في العالم الإسلامي ككل ولكن من باب أولى