الصفحة 24 من 474

والسهل،. وقد تتداخل هذه الصراعات كلها أو بعضها في حالات أو تتعاقب في حالات أخرى. وكلها في النهاية صراع بين قوي بر وبر، بين فلاحين ورعاة - بمعنى آخر صراع أشياء أكثر منه صراع أضداد.

فأما معادلة الرمل والطين فهي تلخص عند پرستد تاريخ الشرق القديم، حيث نجد هجرات الرعاة وغزواتهم - ابتداء من الآراميين إلى الكنعانيين والفلسطينيين والعبرانيين والفينيقيين .. الخ - تواتر خارجة من قلب الجزيرة العربية خاصة إلى كل المناطق الزراعية المجاورة في الهلال الخصيب ووادي النيل، ومثلها إلى حد كبير هجات المور من الصحراء الكبرى الغربية على إقليم المغرب.

أما معادلة الصراع بين السهل والجبل فهي بحكم طبيعتها محلية أساسا، ولذا تنتثر في تضاعيف العالم القديم كدوامات موضعية. وهي تختلف عن أنماط الصراع الأخرى في أنها رأسية لا أفقية، كما أنها أكثرها قارية بطبيعتها. فنري رعاة الجبال المحاربين يهبطون على السهول وينقضون عليها من حالق کالهيار الجليدي غزاة أو مخربين: من جبال أرمينيا

كردستان إلى سهول الرافدين التي هبط عليها من قبل الكاسيون Kassile في الشمال والعيلاميون في الجنوب، ومن بعد الأشوريون الذين سيطروا عليها جميعا. كذلك من مرتفعات الأناضول توالي هجوم ونزول اللبناني واليدين والحيثيين على الهلال الخصيب شرقا وغربا (1) . وفي أوربا من قلاع البلقان إلى أحواضها، ومن كتلة الألب إلى سهول البو ولومبارديا.

أما الصراع بين الاستبس والغابة، فلعله أبعد أنماط الصراع القديم مدى وتراميا، ولو أنه لم يكن استعارا بقدر ما كان تخريبا، ولم ينشئ دولا أو إمبراطوريات مثلا حطم دولا و إمبراطوريات. فمنذ فجر التاريخ والاستبس الأسيوي العظيم يمثل ضد إعصار بشري بلفظ بالموجات البشرية المتابعة لتظهر كالطفح على طول القوس الهائل من الأراضي الزراعية الغنية التي تحف به شرقا وجنوبا وغربا.

و تحت تأثير طرد البيئة الرعوية الفقيرة وما قد يعتريها من نوبات من الجفاف، مع إغراء المناطق الغنية الرخية، كانت جحافل الرعاة تخرج كالطوفان لتنتشر كالمروحة. ومع الانتخاب الطبيعي القاسي الذي تفرضه البيئة وقسوة المط البشرى الناتج، وبفضل حركة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت