الصفحة 218 من 474

الذي لا مثيل له في العالم كله. فهنا يزيد عدد العناصر الخلاسية على العناصر النقية من أي جنس: ولا يمثل البيض الخلص إلا نحو الثلث (1) .

ولهذا السبب فإن أمريكا الجنوبية بوتقة أجناس meltingpot بدرجة أكبر في مداها وعناصرها الجنسية من أمريكا الشمالية. فهي تجمع بين ثلاثة أجناس هي: البيض، والهنود. والزنوج: بينا أن أمريكا الشمالية بوتقة انصهار للجنس الأبيض وحده أساسا. ومع ذلك فإن العالم الجديد ككل يختلف - کنتيجة السيادة الاستعمار السكني الاستيطاني - عن القديم في أنه بوتقة جنسية إلى أبعد مدى.

والخلاصة العامة هي أن استعمار المعتدلات السكني الاستيطاني في القرن التاسع عشر أخذ صورة صراع أجناس أساسا، أي كان حركة عنصرية ضخمة. انتهت بإبادة أجناس برمتها وابتزاز قارات بأسرها. وهو بهذا يعود بالبشرية إلى أحط مراحل البربرية والهمجية الأولى حين كان صراع الجماعات ينتهي بإبادة المغلوب. ولن يجدي في هذا تعلل الاستعمار أو اعتذاره بأنه لم يكن من المعقول أن تترك تلك القارات البكر بإمكانياتها الهائلة الحضارات قليلة من البدائيين الذين عجزوا عن استعارها: فليس هذا إلا منطق القوة

الغاشمة.

ولكم يبدو غريبا شاذا بعد هذا منطق الاستعار: بدأ بإبادة الهنود الحمر في العالم الجديد. فلما افتقد اليد العاملة نقل إليه زنوج إفريقيا بالجملة. وحين دخل أفريقيا بدأ هجر إليها الهنود والآسيويين لملأ الفجوة الناجمة - حركة تفريغ ونقل من الشرق إلى الغرب باطراد تشمل وتغطى الكرة الجنوبي من أقصاه إلى أقصاه.

وهذه الحركة القسرية أو التحريك القهري بكاد بذلك بناظر - بالمناسبة - حركة الجاعات والسكان والأجناس المستمرة عبر التاريخ في نصف الكرة الشمالي في الاتجاه نفسه من قلب آسيا إلى غربها ومن غربيها إلى شرق أوربا ومنها إلى غربها ثم أخيرا من أوربا كلها إلى أمريكا والعالم الجديد. والحركتان معا - سيلاحظ - تجمعان معا كل ديناميات السكان أو الجنس البشري تقريبا طوال التاريخ في تبار محوري هائل يدور حول الأرض بأسرها وبنصفيها من الشرق إلى الغرب باطراد واستمرار، قل مع حركة الشمس الظاهرية أو عکس حركة الأرض نفسها حول نفسها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت